من يُعيد هيبة الرواية؟

من يُعيد هيبة الرواية؟
آخر تحديث:

ابراهيم سبتي

حسب المفهوم السائد للأجناس الأدبيَّة، فإنَّ الرواية تحتل مرتبة متقدمة في التصنيف ومتقدمة عن سواها من السرديات الأخرى وفق كثير من النقاد والمتخصصين والذائقة القرائيَّة. إلّا أنّ الأدب عموماً، يمرّ بمرحلة خفوت أو قلة توهّج أو أقل سطوعاً مما كان في عقد مضى أو عقدين. وأعتقد أن هذا التراجع مرده إلى الوضع العالمي المتسارع وخاصة في سيطرة وسائل التواصل أو الثورة الرقميَّة الهائلة على الجو العام والتكنولوجيا الراكضة، ومن ثم ينسحب بلا شك على قلة الاهتمام بأدق تفاصيل الحياة، ومنها الحالة الأدبيّة التي ما عادت هي الأولى في الاهتمام وبدرجة عالية كما عرفت ببهرجتها وشهرتها وانتشارها. وأعتقد أنَّ الرواية أكثر الأجناس تأثرا بهذا التراجع الذي نرى كيف يقف الناس بطوابير طويلة لشراء آخر منتجات الشركات التكنولوجية العملاقة، وبصورة تحيلك إلى الخشية والخوف من اختفاء الكثير من الممارسات التي عرفها البشر لقرون خلت. والرواية كانت لأزمان خلت، هي الواجهة الأدبية التي تعبّر عن تفاصيل الحياة وتعكس الواقع بكل تفاصيله، والحديث الدائم عن عوالم السياسة والمجتمع والإنسان بأوجاعه وهمومه ومكابداته. يكمن الخوف إذن من التطور الهائل والمخيف للتكنولوجيا الرقميَّة التي دخلت البيوت ومراكز الدراسة ودهاليز أخرى متنوعة. فبالضرورة الحتميَّة، سيسلب هذا التطور، البعض بل الكثير من الجمهور عن متابعة آخر الإصدارات الأدبيَّة والروائيَّة الورقيَّة خاصة، وستخبو جذوة هوس الاقناء وبذل الجهود من أجل الحصول عليها. فكل شيء صار في متناول اليد، جهاز صغير يحوي آلاف الكتب ومنها الروايات طبعا، تستطيع بكبسة زر تقليب الصفحات والقراءة حسب الرغبة وأنت مستلق في منزلك على أنغام الموسيقى الحديثة. إنَّها طفرة في النوع والكم الذي سيؤثر حتما بمتابعة كل الضروريّات التي باتت تسير جنباً إلى جنب مع تفاصيل الحياة المتسارعة والتي يصعب اللحاق بها. هو صراع بين عقل الإنسان المبدع الذي ينتج الرواية وسواها، وبين الآلة التي قد تنافسه، وربما سنرى ذات يوم أنها ستزيحه عن طريقها لتحتل أولويات الاهتمام كليا بالرواية أو الأدب عموماً. إنّها انتزاع لهيبة الأدب الإنساني النبيل، الذي يصنعه العقل بعصارة الأفكار والتجارب والذهنية المتوقدة.. ومن ثم هي معادلة غير منصفة بأن يتراجع الأدب والرواية خاصة إلى مراكز متدنية نتيجة لهذا الغزو المحتمل. إذن من سيعيد الهيبة للرواية الذي ربما سيستبيحها العصر المقبل وقطار التكنولوجيا المنطلق بجنون؟ أعتقد جازماً بأن الرواية ستظل الهم الشاغل والمؤثر على عقل المبدع ولو سيطرت عليه جميع آلات الحداثة شرقا وغرباً، وسيكتب ما يستطيع كتابته ليثبت أنه قادر على التحدي والمواجهة، ومن ثم التغلب على كل الطفرات التقنية المخيفة التي تتربّص بالمبدع وتفكيره. إنَّها الرواية إذن بهيبتها وبتراثها وتاريخها المشرق والمعبر عن قوة العقل البشري في صناعة نص سيخلده الزمان، كما خلد عشرات بل مئات الروايات التي صارت جزءا من التاريخ الإنساني لا يمكن أن ينالها الحيف والخفوت والتراجع.. إنه الصراع غير المتكافئ بين قوتين، الأولى هو الكاتب الذي لا يملك غير إبداعه وخياله وفكره المتوقد والثانية هي التكنولوجيا المدهشة الغازية والتي بانت بوادرها تظهر للعلن. مع أن هذه الطفرة الحديثة ليست سلبية بالمطلق، بل إنها تسهم في نشر نتاجات الكاتب بضغطة زر لتكون مشاعة بين الناس من شتى المنابت والأصول وفي كل الأرجاء. إنَّها شهرة مجانيَّة يمكن أن تعطي كاتب الرواية انتشاراً واسعاً ولروايته شهرة بين الروايات المعروفة الأخرى. إلّا أنّ الخشية تكمن في إبقاء هيبة الرواية بوصفها سيدة السرد بلا منازع.  

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *