العراق على حافة “السيناريو اللبناني”.. الزيدي في مواجهة ساعة الحسم بين أمريكا وإيران
ضياء الكواز
لم يعد الحديث في بغداد يدور فقط حول تشكيل حكومة جديدة، بل حول مستقبل الدولة العراقية نفسها، وسط تصاعد صراع النفوذ بين واشنطن وطهران، وتحول رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي إلى نقطة اشتباك سياسية وأمنية وإقليمية قد تحدد شكل المرحلة المقبلة بالكامل.
التحليل السياسي للمشهد يكشف أن الزيدي لا يواجه أزمة “كابينة وزارية” بالمعنى التقليدي، بل يقف داخل معادلة شبه مستحيلة؛ فكل طرف داخلي أو خارجي يريد حكومة على مقاسه، بينما العراق يعيش واحدة من أخطر مراحل الانقسام والتداخل بين القرار المحلي والإرادات الدولية.
إيران تريد تثبيت النفوذ
زيارة قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني إلى بغداد لم تكن بروتوكولية أو عابرة، بل حملت رسائل واضحة إلى القوى الشيعية وإلى الزيدي نفسه.
إيران تدرك أن أي تغيير في شكل الحكومة العراقية قد ينعكس مباشرة على نفوذها السياسي والأمني والاقتصادي داخل العراق، لذلك فهي تضغط باتجاه حكومة تحافظ على التوازنات الحالية، وتضمن استمرار حضور القوى المقربة منها داخل الوزارات والمؤسسات الحساسة.
طهران تنظر إلى العراق باعتباره العمق الاستراتيجي الأهم لها في المنطقة، خصوصاً بعد الضربات التي تعرض لها محور المقاومة في أكثر من ساحة. ولهذا فإنها لا تريد حكومة قد تتحول لاحقاً إلى منصة أميركية لإعادة رسم التوازنات داخل العراق.
واشنطن تريد حكومة بلا سلاح منفلت
في المقابل، تتحرك الولايات المتحدة وفق رؤية مختلفة تماماً.
إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنظر إلى العراق بوصفه ساحة حيوية في المواجهة مع إيران، وترى أن استمرار هيمنة الفصائل المسلحة على القرار السياسي والأمني يمثل تهديداً مباشراً للمصالح الأميركية في المنطقة.
لذلك، فإن واشنطن تضغط باتجاه تشكيل حكومة أقل ارتباطاً بالفصائل، وأكثر قرباً من المؤسسات الرسمية، مع تقليص نفوذ الجماعات المسلحة داخل الدولة، خصوصاً في الوزارات الأمنية والاقتصادية.
وهنا تتولد العقدة الكبرى أمام الزيدي؛ لأن أي محاولة لإرضاء واشنطن قد تُفسَّر داخلياً على أنها استهداف للفصائل، بينما أي رضوخ كامل لشروط الإطار والفصائل سيضع حكومته في مواجهة مع الأميركيين والمجتمع الدولي.
الزيدي.. رئيس حكومة أم “ضحية تسوية”؟
الواقع السياسي يشير إلى أن علي الزيدي جاء نتيجة تسوية معقدة أكثر من كونه مرشحاً يمتلك مشروعاً مستقلاً.
فالرجل مدعوم من أطراف نافذة داخل الدولة العميقة، لكنه في الوقت نفسه لا يمتلك حتى الآن مساحة حركة حقيقية تتيح له فرض رؤيته الخاصة.
الأخطر من ذلك أن الكتل السياسية تتعامل مع حكومته باعتبارها “حكومة حصص”، لا حكومة إنقاذ.
كل حزب يريد وزارة، وكل فصيل يريد موقعاً، وكل جهة تخشى خسارة نفوذها، ما جعل عملية تشكيل الكابينة أشبه بحرب باردة داخل البيت الشيعي نفسه.
وهنا يظهر اسم فائق زيدان في خلفية المشهد بوصفه أحد أكثر الشخصيات تأثيراً في مرحلة ما بعد التكليف.
خصومه يعتقدون أن الزيدي دُفع إلى الواجهة في توقيت بالغ الخطورة، ليكون بمثابة “رجل امتصاص الصدمة” في حال انفجرت المواجهة الأميركية الإيرانية داخل العراق سياسياً أو أمنياً.
لماذا يُطرح “السيناريو اللبناني”؟
الحديث عن تكرار السيناريو اللبناني في العراق لا يأتي من فراغ.
فالبلدان يشتركان في أزمة جوهرية واحدة: وجود دولة رسمية يقابلها نفوذ قوى مسلحة تمتلك تأثيراً سياسياً وأمنياً يتجاوز أحياناً سلطة الحكومة نفسها.
وفي حال فشل الزيدي في خلق توازن بين واشنطن وطهران، فإن العراق قد يدخل مرحلة شلل سياسي واقتصادي شبيهة بما حدث في لبنان؛
حكومة ضعيفة، ضغوط دولية، انهيار اقتصادي تدريجي، واستنزاف داخلي طويل.
كما أن أي تصعيد أميركي ضد الفصائل أو أي مواجهة إقليمية مفتوحة قد يجعل بغداد ساحة مباشرة للصراع، خصوصاً مع وجود قواعد ومصالح أميركية، ونفوذ إيراني واسع داخل مؤسسات الدولة.
الخلاصة
علي الزيدي لا يواجه اختبار تشكيل حكومة فقط، بل يواجه معركة بقاء سياسي وسط أخطر صراع نفوذ تشهده المنطقة.
القرار العراقي اليوم موزع بين ضغوط الخارج وحسابات الداخل، وبين مشروعين متناقضين:
مشروع أميركي يريد إعادة ضبط الدولة العراقية، ومشروع إيراني يسعى للحفاظ على شبكة النفوذ التي بُنيت خلال السنوات الماضية.
وفي ظل هذا التشابك، يبدو الزيدي أقرب إلى السير داخل حقل ألغام سياسي؛
أي خطوة قد تُغضب واشنطن، وأي تنازل قد يُفجر غضب الفصائل.
ولهذا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط:
هل سينجح الزيدي؟
بل:
هل ما زال العراق يمتلك القدرة على إنتاج حكومة بقرار عراقي خالص؟
