بين “التطبيل” والرقابة: هل يفقد الإعلام العراقي بوصلته مع كل تغيير سياسي بقلم ضياء الكواز

بين “التطبيل” والرقابة: هل يفقد الإعلام العراقي بوصلته مع كل تغيير سياسي  بقلم ضياء الكواز
آخر تحديث:

لم تمضِ أيام على تكليف رئيس الوزراء الجديد، حتى عادت إلى الواجهة واحدة من أكثر الظواهر إثارة للجدل في المشهد العراقي: تصاعد خطاب المديح السياسي في بعض المنصات الإعلامية، مقابل تراجع واضح في النقد المهني المتوازن.

التصريحات الأخيرة التي أطلقها أحد المستشارين السياسيين، والتي انتقد فيها ما وصفه بـ“موجة التطبيل المبكر”، تعكس قلقاً أوسع داخل الأوساط السياسية والإعلامية من تحوّل جزء من الإعلام إلى ساحة للترويج، بدلاً من كونه أداة رقابة ومساءلة.

المشكلة لا تكمن فقط في وجود خطاب داعم لأي حكومة جديدة—فهذا أمر طبيعي في سياق التعددية—بل في غياب المعايير المهنية التي تميز بين التغطية الإخبارية والترويج غير المستند إلى وقائع. ومع توسع المشهد الإعلامي بعد عام 2003، باتت المنافسة لا تقتصر على نقل الخبر، بل تمتد أحياناً إلى كسب رضا مراكز النفوذ.

ويرى مراقبون أن هذا الخلط بين الإعلان السياسي والعمل الصحفي أضعف ثقة الجمهور بوسائل الإعلام، خصوصاً عندما تتحول بعض المنابر إلى منصات لتمرير رسائل أحادية الاتجاه، دون إتاحة مساحة للرأي الآخر أو التحقق من المعلومات.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن جزءاً من الأزمة يرتبط ببنية التمويل الإعلامي، حيث تعتمد بعض المؤسسات على مصادر تمويل غير مستقرة، ما يجعلها عرضة للضغوط السياسية أو الاقتصادية. وهنا يبرز السؤال الأهم: هل يمكن بناء إعلام مستقل في بيئة لا تزال تعاني من هشاشة اقتصادية وتنظيمية؟

مع اقتراب تشكيل الحكومة، يبدو أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في اختيار الوزراء، بل في استعادة التوازن داخل الخطاب الإعلامي نفسه. فالإعلام الذي يكتفي بالمديح يفقد تأثيره، والإعلام الذي يكتفي بالهجوم يفقد مصداقيته؛ وبين الاثنين تبقى المهنية هي المعيار الوحيد القادر على حماية الكلمة.

في النهاية، يبقى الرهان على وعي الجمهور، وقدرة المؤسسات الإعلامية الجادة على فرض نموذج مختلف، يقوم على النقد المسؤول، لا على الترويج، وعلى نقل الحقيقة، لا على تزيينها

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *