تجاوزت الأزمة المالية في العراق حدود الحسابات التقليدية، بعد مرور 16 شهرًا دون تمرير موازنة اتحادية، وسط تحذيرات رسمية وخبراء حول مستقبل الإنفاق العام، وتعطل آلاف المشاريع، وإيقاف آليات التوظيف، في مشهد يعكس أزمة أعمق تمس بنية الاقتصاد برمته.
كان من المفترض أن ترسل الحكومة جداول موازنة عام 2025 إلى مجلس النواب قبل نهاية عام 2024، أي في أكتوبر، لكن منذ مطلع 2025 وحتى مايو 2026 لم يُصار إلى التصويت أو المصادقة، مما جعل العراق يعتمد على موازنات سابقة مجمّدة، مع دخول البلاد عامها الثاني ضمن قيود قانونية مؤقتة تتيح صرف النفقات وفق قاعدة (1/12) فقط.
مظهر محمد صالح، مستشار رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، أوضح أن هذه الآلية “تضمن استمرار تمويل الرواتب والنفقات التشغيلية والمشاريع المستمرة”، لكنها تمنع إطلاق مشاريع جديدة حتى تشريع موازنة اتحادية حديثة، مؤكداً أن غياب الموازنة يحوّلها من أداة تقنية إلى “أداة لاستقرار الاقتصاد وامتصاص الصدمات الخارجية”، خصوصًا مع ما أسماه بـ”صدمة هرمز” المرتبطة بممرات تصدير النفط في الخليج.
المشاريع المتوقفة: أزمة تتجاوز الأرقام
عضو لجنة الخدمات في البرلمان، صفاء الجابري، كشف أن عدد المشاريع المتوقفة يتجاوز 4500 مشروع في عموم العراق، تشمل مستشفيات ومدارس وجسور وأنفاقاً ومشاريع مياه وصرف صحي، بعضها متوقف منذ 2014. وأكد أن المرحلة الحالية تستلزم إعادة ترتيب الأولويات نحو الخدمات الأساسية: الغذاء، الصحة، والتعليم، مع التأكيد على ضرورة أن تكون موازنة 2027 “موازنة مشاريع حقيقية لا مجرد أبواب تقليدية”.
أزمة النفط والسيولة: مزيج قاتل
الخبير المالي صفوان قصي يرى أن التحدي الأبرز يكمن في تراجع العائدات النفطية وتآكل قدرة الدولة على تمويل النفقات، داعيًا لتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص وتقليل الاعتماد على العمالة الحكومية، مع إعادة النظر في مسارات تصدير النفط لضمان مرونة أكبر وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مسار واحد.
كما يقترح قصي “توأمة فعلية بين السياسة المالية والنقدية”، عبر ضبط الاستيرادات وربطها بقدرة الاقتصاد على توفير العملة الأجنبية، لتخفيف الضغط على الدولار والاحتياطي النقدي، مؤكدًا أن استمرار الاستيراد غير المنضبط مقابل ضعف الصادرات غير النفطية يزيد من احتمالات تقلب الأسعار ويضع البنك المركزي تحت ضغوط متصاعدة.
من جهته، شدد رئيس الوزراء علي فالح الزيدي على أن حكومته تعمل على إعداد موازنة جديدة تركز على الإصلاح المالي وتنويع مصادر الدخل، وضبط الإنفاق، ودعم المشاريع الخدمية والإنتاجية، مع الالتزام بمحاربة الفساد وتوسيع فرص العمل، لتكون موازنة “تستجيب لأزمات اليوم وتؤسس لمستقبل أكثر استقرارًا”.







































