الشعبوية والديماغوجية في خطاب الصدر يجب التصدي لها

الشعبوية والديماغوجية في خطاب الصدر يجب التصدي لها
آخر تحديث:

بقلم: سمير عادل

الطريق إلى بر الأمان وتغيير النظام السياسي في العراق يكون عن طريق رمي منظومة الإسلام السياسي خارج التاريخ. وأي حديث عن إصلاح وتغيير النظام السياسي عبر رجل دين معمم انتفخت جيوبه وتكرشت بطنه وبطون حاشيته طوال سنوات عملية سياسية كان أحد أعمدتها، محض هراء، ولا يعدو حديثه عن أي تغيير سوى شعارات مضللة وضرب من النفاق السياسي، يخفي أجندات مشبوهة تجر الجماهير المحرومة إلى كمين أقل ما يقال عنه إبادة جماعية.لغاية يوم أمس، كان التيار الصدري أحد أعمدة تشكيل حكومات المحاصصة السياسية والفساد، بدءاً من الجعفري ومرورا بالمالكي والعبادي وعبدالمهدي وانتهاءً بالكاظمي. ولم يسمع منه إلا أصوات تطالب بإنقاذ تلك الحكومات وإنقاذ حصصه من الوزارات والمناصب الخاصة.اليوم وبعد التخبط السياسي لهذا التيار الإسلامي الشعبوي، كما اعتاد عليه المشهد السياسي العراقي، باستقالة نوابه وادعاءات زعيمه بالانسحاب من العملية السياسية، يسعى للوصول إلى ما لم يستطع تحقيقه في البرلمان، من خلال التهديد بصليل بنادق ميليشياته وتظاهرات جماعته، بالتنسيق مع القوات الأمنية التابعة للكاظمي، ورفع شعارات مضللة سرقها من انتفاضة أكتوبر.

التيار الصدري يدفع المجتمع نحو حافة الهاوية، وزعيمه مقتدى الصدر يدرك أنه لم يعد بإمكانه حسم مسألة السلطة السياسية، فالعراق مقسم تتنازعه الميليشيات، ومن يعتقد أن هناك انقلابا عسكريا سيحدث بدعم جماعة الصدر ويعمل على تغيير المنظومة السياسية في العراق، فهو لم يتعلم أو لم يطلع بعد على دروس ماركس “الثامن عشر من برومير” ولينين “الدولة والثورة”.في العراق، ومنذ الغزو، وتدمير الاحتلال لآلية الدولة وتمزيق هويتها السياسية، لم تتشكل دولة بالمعنى القانوني والسياسي والهوياتي، رغم كل محاولات المالكي عندما تسلم الحكومة لمدة ثمانية أعوام عجاف، وعموم منظومة الإسلام السياسي الشيعي. ظهرت تباشير الدولة تلوح بالأفق، إلا أنها سقطت وسمع دويها في أبعد نقطة من الكرة الأرضية، وانهارت مع إعلان دولة الخلافة الإسلامية في العاشر من يونيو 2014 في ثلث مساحة العراق.

تغيير النظام السياسي رهن بالحركة الثورية، والصدر وتياره غرباء عنها. وأكثر من ذلك، هم ألد أعدائها

يومها، كانت جحافل الجيش العراقي والشرطة الاتحادية والمحلية والقوات الأمنية، التي قدر قوامها بأكثر من 60 ألف عنصر، تتسابق بحثا عن المنافذ للهرب باتجاه أربيل وكركوك، نفاذا بجلدهم، يجرون أذيال الهزيمة على يد عدو لا يتجاوز عدد عناصره 200 مسلح. وكان تأسيس الحشد الشعبي من قبل نفس منظومة الإسلام السياسي سبيلا آخر لإعادة تأسيس الدولة، وهذه المرة بهوية عقائدية طائفية تلعب دور الحرس الثوري الإيراني أو الباسداران، والاتعاظ من تجربة فشل الآلة القمعية التي يتصدرها غياب العقيدة بمعناها العسكري والسياسي.وهنا يكمن سر الحفاظ والدفاع وحتى الاقتتال بالأيدي والأسنان على هذه المؤسسة القمعية الجديدة بكل ما أوتي من أبواق دعائية، وانتقاء هوية لها سموها “المقاومة والممانعة”، خصصوا جزءا من ميزانية الدولة السنوية لها، تقدر بأكثر من ملياري دولار. ويكشف هذا سر خوف مقتدى الصدر وتياره من منظومة الحشد الشعبي الذي يشن من فترة إلى أخرى حملة سياسية ضد المنظومة، مرة يصفها بالمنفلتة، وأخرى بالوقحة، ومرة بغير المنضبطة، وتارة يطالب بحلها أو ضمها إلى المؤسسة الأمنية الحكومية للسيطرة عليها واحتوائها.

بهذا المعنى لن يستطيع الصدر وتياره تغيير النظام السياسي في العراق، ليس لأنه لا يستطيع، وفق المعطيات المذكورة، بل لأنه لا يريد ذلك، فهو يدرك أن جميع إخوته الأعداء التوائم في البيت الشيعي أو بالرضاعة في البيت القومي، بشقيه العروبي والكردي، سيجتمعون وينهالون عليه بالضرب، وكما يقال في العامية البغدادية “كتلته تصير عمل شعبي”.

لن يغير حل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة المشهد السياسي، أو معضلة الصراع على السلطة بين الأجنحة البرجوازية التي تمثلها منظومة الإسلام السياسي.

أيا كانت النتيجة لن يستطيع لا الخاسر من هذه القوى ولا الفائز تشكيل الحكومة، ليعاد نفس السيناريو. الانتخابات في دول فاشلة مثل العراق ولبنان وليبيا واليمن لا تحسمها صناديق الاقتراع، إنما يحسمها رصاص الميليشيات. “الدول الفاشلة غير قادرة على حماية مواطنيها” كما يقول نعوم تشومسكي.قد يذهب الصدر إلى “انتخابات جديدة” للخروج من المأزق السياسي الذي وجد نفسه فيه منذ استقالة نوابه، لا من أجل تغيير النظام أو المشهد السياسي، وهذا ما يعيه الجميع. أما القوى السياسية الأخرى، فهي تدرك أن الانتخابات ليست من أجل حل الأزمة، بل من أجل إدارتها وتأجيل انفجارها.

التيار الصدري وجه آخر للإطار التنسيقي، والخلاف بينهما هو جزء من صراع طبقة انتفخت جراء ما سرقته، وتريد استثمار ما نهبته

لا يمكن للصدر وتياره سرقة شعارات انتفاضة أكتوبر، ولا يستطيع مهما أطلق من شعارات أن يكون ممثلا للجماهير التحررية، أو أن يحدث أي إصلاح كما يدعي. وتجربتنا مع الصدر ليست قليلة، حيث لعب دورا كبيرا على مدى سنوات في إنقاذ العملية السياسية عبر زج جماعته في التظاهرات والاحتجاجات التي هزت عرش منظومة سلطة الإسلام السياسي الشيعي، بدءاً من انتفاضة فبراير 2011، ثم تظاهرات يوليو 2015، وفشله في احتجاجات المدن الجنوبية في يوليو 2018، وآخرها التنسيق مع قوات الأمن التابعة للكاظمي بقمع انتفاضة أكتوبر عبر ميليشيات القبعات الزرقاء.

قوة التيار الصدري تكمن بوجود ميليشياته التي يتم تغذيتها وتمويلها من عمليات النهب والإتاوات التي يدعي الصدر أنه يريد محاربتها.

والسؤال الذي يغيب عن الواهمين الذين يتوقعون تغيير النظام السياسي عن طريقه، هو من أين يتم تمويل هذه الميليشيات، وما هو اختلافها عن ميليشيات عصائب أهل الحق وبدر وحزب الله وغيرهم، وأقصد جانب التمويل المالي. لماذا لا يفتح ملف تمويل هذه الميليشيات؟بقطع التمويل عن هذه الميليشيات لن يبق لهم غير الجعجعة الإعلامية. عن طريق تلك الميليشيات يرهبُ المعارضين وتتم تصفيتهم جسديا. ألم ينشروا مقاطع فيديو تظهر تعذيب ناشطين ومدونين وأشخاص عاديين انتقدوا الصدر، طلبوا منهم الاعتذار أو طلبوا من أهلهم طلب الصفح من الصدر والتبرؤ من أبنائهم.

إذا جُرد الصدر من ميليشياته، سيكون في أفضل الأحوال مثل جلال الدين الصغير أو عمار الحكيم. وتنطبق نفس الحالة على بقية قوى الإسلام السياسي الشيعي.قوة الصدر تكمن في ضعفنا نحن الثوريين الذين لم نستطع أن نكون أحد خيارات المجتمع بالرغم من كل مساعينا وعملنا الدؤوب. ورغم أن تيارنا أوسع قاعدة من التيار الصدري بأضعاف، يشمل جموعا مليونية من العاطلين عن العمل والنساء التواقات للتحرر وعمال العقود والأجور وطلبة المدارس الإعدادية والمعاهد والجامعات الذين خرجوا في انتفاضة تشرين العظيمة، وحيث تم ركن التيار الصدري جانباً، رغم تملقه بخطابه السياسي لحركتنا وتيارنا مسوقا شعاراته الشعبوية التي نراها اليوم، وبدفاعه عن مطالب الانتفاضة.

وعندما فشل في كسب المنتفضين وركوب الاحتجاجات التي اعتاد ركوبها في السنوات السابقة، كشف عن وجه مطالبا بفصل الإناث عن الذكور، وعندما فشل في ذلك أيضا أوعز لميليشياته بالهجوم على خيام المنتفضين بتواطؤ من قوات الأمن التابعة للكاظمي.بمعنى آخر، التيار الصدري جزء من منظومة الإسلام السياسي التي شاركت مع بقية الميليشيات الولائية في قتل المتظاهرين وحرق خيامهم. واجتمع الجميع، الميليشيات المنضوية تحت لواء قائمة فتح التي يقودها العامري في البرلمان قبل الانتخابات الأخيرة وميليشيات التيار الصدري القبعات الزرقاء، لاختيار الكاظمي رئيسا للحكومة على إنقاذ حكومة عبدالمهدي، وذلك لإنقاذ العملية السياسية برمتها من انتفاضة أكتوبر.

المفارقة والتناقض في سقف مطالب التيار الصدري، مثل تغيير النظام السياسي والدستور، هو أنه لم يطرح عن طريق أية آلية يريد ذلك التغيير. وهذا يكشف عن كمية التضليل الذي يحمله الخطاب السياسي للتيار الصدري لجماهيره وعموم المجتمع العراقي. فتغيير النظام السياسي يعني نسف العملية السياسية بما فيها القضاء والسلطة التشريعية والتنفيذية وكل أركان الدولة من مؤسسات سياسية وقانونية. إلا أن خطاب الصدر الذي طالب فيه بالابتعاد عن مبنى القضاء والتعاون مع القوات الأمنية وحصر اعتصامهم وتجمعهم في البرلمان وحول مبانيه وليس أكثر، بدا وكأنه يريد الانتقام من المكان الذي أفشل مشروعه السياسي في تشكيل حكومة الأغلبية.

بعبارة أخرى يريد الصدر توجيه صفعة لمجلس النواب عبر العبث بمقاعده وجلوس أنصاره عليها وهم يأخذون صور السيلفي كي يغيظ إخوته الأعداء التوائم. في مقابل ذلك يريد وضع جماعته وحصرهم في مكان محدد وتجميدهم بحيث لا يؤثرون على سير عمل جميع المؤسسات الحكومية والحياة اليومية والروتينية وعدم تعطيل حياة العملية السياسية.أما آليات تغيير النظام السياسي، فليس أمامه إلا طريقان؛ إما الحرب الأهلية، أو التغيير الثوري. أما بالنسبة إلى الخيار الثاني فهو عدو له لأن التغيير سيشمله، وبلغته هو “شلع قلع”. سيفتح التغيير الثوري ملف قتلة المتظاهرين، وستفتح المحاكم ملف “من أين لك هذا؟” وستحل الثورة الميليشيات..

الطريق الأول تحدثنا عنه. ويبقى أن التيار الصدري يريد اللعب على مشاعر الناس من خلال تجديد خطاب شعبوي خال من أي محتوى سوى التنفيس عن حسرات المحرومين الذين يعبرون عن عوزهم وفقرهم عبر شاشات الفضائيات.بمعنى آخر، لن يستطيع الصدر أن يكون رمزا للتغيير الثوري في العراق، وليس في أجندته أي مشروع للتغيير، فتغيير النظام السياسي في حاجة إلى تغيير ثوري، والصدر الذي اجتمع مع هيئته السياسية قبل الانتخابات الأخيرة تحدث لهم عن أهمية دور جماعته في الدفاع عن المذهب والإسلام والوطن.

ووطن الصدر يعني دولة صدام حسين في أيام الحملة الإيمانية التي أطلقها عام 1996. دولة استبدادية يحكمها المعممون أمثاله، دولة برنامجها الاقتصادي الليبرالية الجديدة، وهي تنصل الدولة من كل مسؤولياتها تجاه المجتمع، وشاهدنا كيف صوتت جماعته خلسة على تخفيض العملة المحلية والورقة البيضاء التي جاءت بها حكومة الكاظمي لإدامة الفساد بأنواعه، وتحميل العمال والموظفين أحمالا جديدة وجعلهم يدفعون ثمن سنوات نهبهم وسرقة أموالهم في تأسيس الشركات والبنوك، دولة ليس فيها أي حريات، دولة الإسلام فيها هو الحكم والفيصل، دولة تضرب أعناق النساء إذا طالبن بالتحرر. دولة قومية بغلاف إسلامي تضرب أي قوة تطالب بالمساواة وتوزيع الثروات.

حركة الصدر هي حركة رجعية بامتياز، تهدد أمن وسلامة المجتمع، هدفها تأسيس حكومة تلبي طموحات التيار الصدري كجناح من أجنحة الطبقة البرجوازية التي يمثلها الإسلام السياسي. والتصدي لمثل هذه الحركة سياسيا ودعائيا واجتماعيا وفضح شعارات الصدر وألاعيب تياره هي مهمة الثوريين التحرريين.التيار الصدري وجه آخر للإطار التنسيقي، والخلاف بينهما هو جزء من صراع طبقة انتفخت جراء ما سرقته، وتريد استثمار ما نهبته عبر مشروعه السياسي الذي لن يتم دون الفوز بالسلطة السياسية. ولن تتورع عن ارتكاب المجازر من أجل تلك السلطة.تغيير النظام السياسي رهن بالحركة الثورية، والصدر وتياره غرباء عنها. وأكثر من ذلك، هم ألد أعدائها.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *