أثار قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتأجيل ضربة عسكرية كانت وشيكة ضد إيران موجة واسعة من التساؤلات حول أسباب التراجع الأميركي في اللحظة الأخيرة، وسط تأكيدات سياسية بأن واشنطن وجدت نفسها أمام معادلة معقدة فرضتها حسابات التفاوض، وضغوط الحلفاء الخليجيين، والكلفة الباهظة لأي حرب مفتوحة في المنطقة.
وكان ترامب قد أعلن، الاثنين، تأجيل العملية العسكرية استجابةً لطلب من قادة قطر والسعودية والإمارات، مؤكداً في الوقت ذاته أن المفاوضات مع طهران دخلت مرحلة “جدية”، لكنه أبقى الباب مفتوحاً أمام الخيار العسكري عبر توجيه الجيش الأميركي للاستعداد لتنفيذ “هجوم واسع وشامل” إذا فشلت المساعي السياسية.
وجاء هذا التطور في وقت كانت فيه الإدارة الأميركية تدرس استهداف مواقع داخل إيران، عقب أسابيع من التصعيد الذي اندلع في 28 شباط/فبراير 2026، قبل أن يدخل وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 8 نيسان/أبريل الماضي، من دون الوصول إلى تسوية نهائية للأزمة. وساطات وتحركات خلف الكواليس وبالتوازي مع التصعيد العسكري، نشطت تحركات إقليمية ودولية مكثفة لمنع انهيار مسار التفاوض، قادتها باكستان وعدد من الدول الخليجية، حيث كشفت تقارير إعلامية عن نقل إسلام آباد مقترحاً إيرانياً جديداً إلى واشنطن يتضمن 14 بنداً، يركّز على وقف الحرب ورفع العقوبات وإعادة فتح مضيق هرمز، مع تأجيل الملفات الأكثر حساسية، وفي مقدمتها تخصيب اليورانيوم، إلى مراحل تفاوضية لاحقة.كما ترافقت هذه الجهود مع مؤشرات عن مرونة أميركية محدودة تجاه السماح لإيران بالاحتفاظ ببرنامج نووي سلمي خاضع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مقابل خفض مستويات التخصيب ونقل جزء من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب إلى الخارج.
ورغم تلك المؤشرات، لا تزال فجوات الخلاف عميقة بين الجانبين، خصوصاً في ملفات التخصيب النووي، وآليات رفع العقوبات، والضمانات الأمنية، ومستقبل الوجود العسكري الأميركي في المنطقة.أزمة ثقة مزمنة
وفي هذا السياق، يرى الباحث في الشأن الإيراني صالح القزوريني أن جذور الأزمة بين طهران وواشنطن ترتبط بأزمة ثقة تاريخية تراكمت على مدى سنوات طويلة، موضحاً أن إيران ما تزال تنظر بعين الشك إلى أي تعهدات أميركية بسبب تجارب سابقة شهدت انسحاب واشنطن من اتفاقات وعدم التزامها بتفاهمات قائمة.
وقال القزوريني، في حديثه لوكالة شفق نيوز، إن طهران تحاول في المقابل تقديم نفسها كطرف منفتح على الحلول السياسية، حتى وإن كانت لا تتوقع نتائج حاسمة من المفاوضات الحالية.
وأضاف أن إيران تتبع ما وصفه بـ”سياسة الردع المتوازن”، إذ تحافظ على جاهزيتها العسكرية بالتوازي مع استمرارها في التفاوض، مؤكداً أن القيادة الإيرانية تريد إنهاء الحرب أولاً قبل الانتقال إلى الملفات الأكثر تعقيداً، وعلى رأسها الملف النووي.الحرب المكلفة
من جانبه، أكد أستاذ العلوم السياسية الأردني حازم عياد أن الحسابات الاقتصادية أصبحت عاملاً أساسياً في قرار واشنطن تفضيل المسار الدبلوماسي، لافتاً إلى أن استمرار التوتر العسكري تسبب بحالة قلق داخل الأسواق الأميركية، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة وتصاعد المخاوف من إغلاق مضيق هرمز.وأوضح عياد لوكالة شفق نيوز أن الإدارة الأميركية تدرك أن أي حرب واسعة قد تدفع الاقتصاد الأميركي نحو ضغوط تضخمية أكبر، وتعرقل خطط خفض أسعار الفائدة، ما ينعكس مباشرة على المشهد السياسي والانتخابي داخل الولايات المتحدة.
وأشار أيضاً إلى أن واشنطن أخفقت في إبعاد الصين عن إيران، الأمر الذي يزيد احتمالات تحول أي صراع مباشر إلى حرب استنزاف طويلة تتداخل فيها قوى دولية كبرى، وهو ما يجعل خيار المواجهة العسكرية أكثر تعقيداً وخطورة.
وبرأي عياد، فإن المفاوضات ـ حتى وإن بدت بطيئة أو محدودة النتائج ـ تبقى المسار الأقل كلفة لجميع الأطراف، في ظل صعوبة تقديم تنازلات جوهرية في المرحلة الراهنة.
كما لفت إلى أن إسرائيل ما تزال تمارس ضغوطاً مؤثرة على القرار الأميركي، باعتبارها ترى في الصراع مع إيران قضية تتعلق بأمنها الاستراتيجي وقدرتها على الحفاظ على تفوقها الإقليمي.مفاوضات هشة على حافة الانهيار
بدوره، اعتبر أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية عصام الفيلي أن الكلفة الباهظة للحرب تمثل العامل الأكثر تأثيراً في استمرار قنوات التفاوض بين واشنطن وطهران.
وأشار الفيلي إلى أن التطورات الأمنية الأخيرة، بما فيها الانفجارات والعمليات الغامضة التي طالت مواقع مرتبطة بالصواريخ والأسلحة الاستراتيجية داخل إسرائيل، أظهرت حجم المخاطر التي قد تترتب على أي تصعيد واسع النطاق.
وأضاف أن هذه التطورات دفعت الإدارة الأميركية إلى التريث في التعامل مع المبادرة الإيرانية الأخيرة المؤلفة من 14 بنداً، مكتفية حتى الآن بتسريبات إعلامية تعتبر المقترحات الإيرانية “غير كافية”.
وأكد الفيلي أن استمرار التواصل غير المباشر والتحركات الإقليمية يعكس وجود رغبة مشتركة في إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، باعتباره الخيار الأكثر واقعية مقارنة بحرب قد تتحول إلى مواجهة مفتوحة بلا سقف واضح.
لكنه حذر في الوقت نفسه من هشاشة هذا المسار، مشيراً إلى أن المفاوضات قد تنهار في أي لحظة إذا اقتنعت واشنطن بأن الخيار العسكري قادر على فرض نتائج حاسمة، مضيفاً أن المشهد الحالي لا يزال قائماً على “تبادل الرسائل والضغوط”، أكثر من كونه اتفاقاً قريباً أو تسوية نهائية.







































