يونامي.. غسَّالة أُممية ماركة جون بولتون

يونامي.. غسَّالة أُممية ماركة جون بولتون
آخر تحديث:

بقلم:مسار عبد المحسن راضي

سكَّ اليابانيون مصطلح “كاروشي” للإشارة إلى أولئك الذين يسقطون ميَّتين من كثرة التعب نتيجة قيامهم بعمل يومي مجهد. التجارب السياسيَّة العراقيَّة لمُغادرة النظام الطائفي والعرقي في البِلاد، بعد 2003، أُصيبت جميعُها بـ”كاروشي” الأمم المتحدة.يونامي، أو بعثة الأُمم المتحدة لمساعدة العراق، كانت التمارين السويدية التي اتفق عليها المجتمع الدولي لمساعدة النظام الذي أوجده الاحتلال الأميركي على تكييف سُمنته الطائفيَّة والعرقيَّة الناتِجة من التهام بطاطس الديمقراطية المقليَّة على سُرفات اليانكي.

يونامي تعمل منذ عشرين عاما كقاعة للكمال الديمقراطي. تحديداً، منذُ إصدار مجلس الأمن في 14 أغسطس 2003 القرار رقم (1500) ليُعيد بعدها تجديد القاعة في مايو 2022 بالقرار (2631).نسأل: ما الذي حققته يونامي لتمنع “كاروشي” السياسة في العراق وتقليل تأثيرات بطاطس السُرفات؟استطاعت توسيع حصَّة الأمم المتحِدة في البلاد إلى أربعة وعشرين جهازاً يُديرها أكثر من ستمئة موظف. طبعاً، لا أحد يعرِفُ بالضبط مقدار الأموال التي تستهلِكُها تلك الأجهزة ومُشغلوها من الميزانية العراقية ومخصصات الدعم الدولي للبلاد، لكن يونامي تمتَّعت دائماً ببرامجِ عملٍ من النوع البرَّاق والرنان. مثلاً، “الحوار السياسي الشامل”، “المصالحة الوطنية والمجتمعية”، “المساعدة في العملية الانتخابية”، “تيسير الحوار الإقليمي بين العراق وجيرانه”، “تعزيز حماية حقوق الإنسان”، و”الإصلاح القضائي والقانوني”.

إدارة يونامي للأعمال الأممية في العراق، ترتدي نظارة بولتون، وتشبه دليل جمعية “روكوس” لدعم المحتجين، من شخوص النظام، على المجتمع الدولي الواقع في بغداد، بعيداً عن نيويورك، أنّ العراق عُملة كازينو دولي يُديره مُشغِّلون إقليميون. لهذا فإنَّ ما تحقق من برامجٍ، لم تكُن وراءه نعمة أممية، ولا حراثَة يوناميَّة. ما علينا إلَّا أن نُذكر بأن علاقة العراق مع جيرانه تحسَّنت لأنه لعب دورا إعلانيّا لمرهم إزالة التشنج الجيواستراتيجي بين طهران والعرب، لطقطقة جسد الصفقة النووية في فيينا.

المِثال الآخر، هو الحوار الجاري الآن بين الكتل السياسية. حقيقته، أنّه مفروض من واشنطن لاستمرارية دعم النظام. خلاصته تنحيف حجم الميليشيات، وتسمير جلد النظام “الشيعي – الكردي” بمزيد من الصبغة “السّنية” والعلمانيّة ذات اللثغة النيوليبرالية.يونامي، وباعتراف غير مباشر من إحدى شقيقاتها الأُمميات، لجنة الاختفاء القسري في العراق، لم تنجح؛ لا في تحقيق المصالحة المجتمعية ولا في حماية حقوق الإنسان، إذ كشف تقرير الشقيقة في أبريل 2023 أن النظام ساهم بإشغال الأراضي العراقيّة بمزيد من ضحايا السجون، المعتقلات، وانتقائيّة قانون “أربعة إرهاب” المُخصص لاصطياد “السُّنة” من قبل “شيعة السُلطة”. والجُملة السابِقة ليست تخفيفاً لثقل الحقائق، وإنّما حقيقة لا نفع فيها لكثير من الوطنيين! لأنها حطب رطب لا يحترق في المدخنة الديمقراطية للعم سام.

المساعدة في العملية الانتخابيّة لم تحصل هي الأُخرى. انتخابات مجالس المحافظات في أكتوبر 2023 ستدخل الصيدليّة الحزبيّة، لتناول فياغرا نظام سانت ليغو الرياضي، وبالتالي تسهيل هضم صوت الناخب. ما يعنيه ذلك وباختصار جملة اقتُرح على شخوص النظام الحالي استخدامها في مجالسِهم الخاصّة: صوّت أو لا تصوّت فالصندوق لنا.

يونامي، اشتغلت على الشكل الخارجي للنظام. عمِلت كغسَّالة أممية وفق إستراتيجية أميركية، لتنظيف النظام، وتسويقه أبيض على حبل المجتمع الدولي. حتّى الاعترافات بالأداء البشع لهذا الهجين “المؤطلس” – الأطلسي – كانت وبالاختزال والتصرُّف في كلمات نورينا هيرتس عن دليل جمعية “روكوس” للاحتجاج ومقرّها كاليفورنيا، مسرحية لـ”استغفال ضمير العالم، باستخدام دموع مُزيَّفة، تملأ علبة شامبو سفرية، لأن منظر الدموع لديه تأثيرٌ جيد وثمين على جمهور الأمم المتحدة”.

اقرأ، اسمع، وحلِّل، كُل إحاطة قدمتها ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في العراق جينين بلاسخارت منذ 2018 وحتّى يومنا هذا؛ ستجد تلَّة من حبال الغسيل وعُلب الشامبو. عند سؤالِ يونامي، عموماً، إن كان وضع العراق يحتمل التدوير الحاصل لهذا النظام، تجيبك: “نحن بعثة مساعدة لا مُراقبة”!يبرز هُنا سؤال يدفعُنا لتجديد السؤال عن ماهية يونامي مفاده: ما سبب إخفاق البعثة الأممية لمساعدة العراق؟

نبدأ بجون بولتون، والذي شغل منصِب السفير الأميركي إلى الأمم المتحدة في عهد الرئيس بوش الأب. قيمة الأمم المتحدة لديه، بحسب ما نقل عنه البروفيسور إيان شابيرو: “لا يوجد شيء اسمه الأمم المتحدة وإذا فقدت الأمانة العامّة في نيويورك عشرا من طبقاتها فلن يحدث ذلك فرقاً كبيراً”.

الإحاطة الأخيرة للممثلة الأممية ورغم اتهامها بتصعيد النبرة تجاه النظام، لا تعدو سوى رقصة تانغو، مع إعلان الرئيس جو بايدن تمديد حالة الطوارئ في العراق الخط البياني لتعامل واشنطن مع الأمم المتحدة، يرينا شيئاً آخر. إنها لا تستطيع الاستغناء عنها، والإتيان بواحِدة جديدة. روبرت كيوهان، يشير إلى ما يُشبه قانونا يتبعه الجميع: “إنّ كُلفة إنشاء المنظمات الدولية أكبر من كُلفة المحافظة عليها”. المقصود هنا وعلى الأرجح، الكُلف المعنوية، الثقة في الأداء، وقابلية التحول من سيف لبعض الدول (قرارات مجلس الأمن وحق الفيتو)، إلى درع لمعظمها (قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة).

إدارة يونامي للأعمال الأممية في العراق، ترتدي نظارة بولتون، وتشبه دليل جمعية “روكوس” لدعم المحتجين، من شخوص النظام، على المجتمع الدولي. السياسي العراقي محمد إقبال يقدّم لنا دليلا، نختصره، وبدون تأثير يذكر على نسبة عنصر بولتون في أداء يونامي: “تنتقي الملفات الداخلية، يفضلون اللقاءات الخاصة مع كبار المسؤولين وإحاطتها بسرية كبيرة، لتتمخض عنها بيانات تتناول الخطوط العامة، دون ذكر التفاصيل”.

دليل عملها كـ”روكوس” لصالح النظام، ودوافع ذلك، بحسب إقبال، وباختصارٍ أيضاً: “إن بعض الشخصيات التي تولت مسؤولية البعثة كانت تشوبها العديد من شبهات الفساد، مما انعكس على حياديتها تجاه العديد من قضايا حقوق الإنسان ونتائج الانتخابات التي جرت منذ عام 2003، والحكومات كانت حريصة على بقائها، لدرء الشبهات عنها في ما يتعلق بتقارير المنظمات الدولية عن انتهاكات حقوق الإنسان. بقاء يونامي نوع من الحماية الدبلوماسية للحكومات في العراق”.

إنَّ يونامي والعديد من الجهات الأممية العاملة في العراق لا تحترم حتّى حرية التعبير في العراق، رغم تأكيد ممثلته على أهميَّة هذا الحق في تفاصيل إحاطتها الأخيرة. جرَّب مثلاً كما فعلنا، أن توجه أسئلة صحفية إليها مباشرة، تصبح هذه المنظمات نحلا يلقّح المسؤولين العراقيين باللقاءات. الهدف أن لا تضطر يونامي لإجابتك!

الإحاطة الأخيرة للممثلة الأممية ورغم اتهامها بتصعيد النبرة تجاه النظام، لا تعدو سوى رقصة تانغو، مع إعلان الرئيس جو بايدن تمديد حالة الطوارئ في العراق، القرار (13303)، وبالتزامن مع تصريحات السفيرة ألينا رومانوسكي التي ربطت الملف الاقتصادي بوضع الميليشيات.

نتيجة رقصة نيويورك وواشنطن كانت تمديد مجلس الأمن لأعمال يونامي في العراق يوم 18 مايو 2023 لسنة إضافية، تحديدا إلى نهاية مايو 2024. أمّا في بغداد فقد أدَّت إلى ارتفاع مبيعات البنك المركزي العراقي خلال خمسة من الأيام الماضية إلى ما فوق المليار دولار! كرد إيراني على التطنيش الأميركي لدفع ثمن ضبطِها للإيقاع الميليشياوي في الفترة الماضية.بعد كل ما تقدم نُبارِك ليونامي دخولها السنة الحادية والعشرين من الزواج مع النظام السياسي العراقي، مُحذِّرين الراغبين في تغييره من “النضال الأممي”، متسائلين إن كانت ستقوم في سنتها الجديدة بدور مختلف يساعد في إعراب المستقبل العراقي بقواعد وطنية.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *