إعدام التاريخ لا يبني الأوطان قراءة في التجربة العراقية بعد 2003 بقلم رياض الدليمي

إعدام التاريخ لا يبني الأوطان قراءة في التجربة العراقية بعد 2003 بقلم رياض الدليمي
آخر تحديث:

إعدام التاريخ لا يبني الأوطان

قراءة في التجربة العراقية بعد 2003

إنَّ محاولات إعدام التاريخ أو طمس ذاكرة الأمم مع تغيّر الأنظمة السياسية، لا تعبّر عن وعيٍ وطني ناضج، بل تكشف عن أزمة عميقة في فهم الدولة والهوية الوطنية. فالأوطان لا تُبنى عبر محو الماضي، ولا تستقر من خلال شيطنة كل ما سبق التغيير السياسي. والتاريخ، مهما اختلفت الآراء حول مراحله، يبقى ملكًا للشعب لا للحكومات والأنظمة.

ولعلَّ التجربة العراقية بعد عام 2003 تُعدّ واحدة من أبرز النماذج المؤلمة في هذا السياق. فبدل أن يكون التغيير السياسي بدايةً لإصلاح الدولة ودراسة ومعالجة الأخطاء وبناء نظام أكثر عدالة واستقرارًا، جرى التعامل مع العراق وكأنه يبدأ من الصفر، وتم استهداف مؤسسات الدولة وذاكرتها الوطنية ورموزها الإدارية والعلمية والعسكرية بصورة غير مدروسة، تحت شعارات الإقصاء والاجتثاث والانتقام السياسي.

لقد دفعت الدولة العراقية والمجتمع العراقي ثمنًا باهظًا نتيجة هذا النهج؛ إذ أدى تفكيك مؤسسات الدولة وإعدام الخبرات الوطنية وإثارة الانقسامات إلى حالة من الفوضى والضعف والانهيار الإداري والسياسي، ما فتح الباب أمام الفساد والصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية. وأصبح الانتماء الحزبي والطائفي في كثير من الأحيان مقدَّمًا على الكفاءة والهوية الوطنية الجامعة.

إنَّ نقد الأنظمة السياسية السابقة حق مشروع، بل ضرورة أحيانًا، لكن تحويل هذا النقد إلى حرب على تاريخ الدولة وذاكرتها الوطنية يُعدّ خطأً استراتيجيًا خطيرًا. فالدول العاقلة تُصلح أخطاءها وتستفيد من تجاربها، ولا تقوم بإعدام تاريخها أو اقتلاع مؤسساتها من الجذور.

لقد أثبتت التجربة العراقية أن بناء الأوطان لا يتحقق بروح الثأر والإلغاء، بل بالمصالحة الوطنية، واحترام مؤسسات الدولة، والاستفادة من جميع الطاقات والخبرات الوطنية بعيدًا عن منطق الانتقام السياسي. فالأمم التي تفقد صلتها بتاريخها، تفقد تدريجيًا قدرتها على بناء مستقبل مستقر وقوي.

د. رياض الدليمي

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *