على إيقاع المفاوضات المتسارعة لتشكيل الحكومة الجديدة، يعود الجدل القديم المتجدد حول طبيعة القيادة المطلوبة لإدارة الدولة:
هل تحتاج الوزارات إلى “خبير تقني” يغرق في التفاصيل، أم إلى قائد إداري وسياسي يمتلك رؤية استراتيجية وقدرة على إدارة المؤسسات المعقدة؟
في أروقة السلطة، تتبلور قناعة متزايدة بأن الحكم لا يُدار بمنطق الاختصاص الضيق وحده، بل بفن التوازن بين الإدارة والسياسة وصناعة القرار. فالدولة ليست شركة هندسية، بل منظومة متشابكة من المصالح والموارد والتحالفات والملفات السيادية، تحتاج إلى عقل قادر على قراءة المشهد كاملاً لا مجرد إدارة التفاصيل الفنية.
وفي هذا السياق، تتصاعد الانتقادات لمحاولات بعض القوى السياسية تمرير خطاب “التكنوقراط” كمدخل لإقصاء وزراء حاليين حققوا نجاحات ملموسة، واستبدالهم بشخصيات موالية تحت غطاء المهنية والاستقلالية.
مصدر سياسي مطلع أكد أن التجربة العراقية، كما في كثير من الدول المتقدمة، أثبتت أن الوزارات الكبرى لا تُدار بعقلية الاختصاص التقني البحت، بل بقيادات تمتلك خبرة إدارية وسياسية عميقة في إدارة المؤسسات وصناعة التوافقات ووضع الاستراتيجيات بعيدة المدى، فيما تبقى المهام الفنية من اختصاص الكوادر المهنية داخل الوزارة.
وأضاف المصدر أن العديد من الوزارات التي أُسندت إلى شخصيات تقنية صرف شهدت ارتباكاً وفشلاً واضحاً بسبب غياب الخبرة الإدارية والسياسية، موضحاً أن “الوزير الناجح ليس بالضرورة أفضل مهندس أو خبير، بل أفضل من يستطيع تحويل المؤسسة إلى منظومة منتجة وقادرة على اتخاذ القرار”.
وفي خضم هذا النقاش، يبرز اسم أحمد الأسدي، وزير العمل والشؤون الاجتماعية في حكومة محمد شياع السوداني، كأحد أبرز النماذج التي يُنظر إليها بوصفها تجربة ناجحة في الإدارة الحكومية.
فخلال توليه الوزارة، حقق الأسدي تقدماً لافتاً في ملفات الحماية الاجتماعية والتعاون الدولي وبرامج دعم الفئات الفقيرة ومكافحة البطالة، ما جعله يحظى بإشادة سياسية وبرلمانية واسعة، وسط دعوات متزايدة للاستفادة من خبرته في وزارات أكثر تعقيداً وحساسية.
وتشير مصادر سياسية وبرلمانية إلى وجود توجهات داخل قوى “ائتلاف الإعمار والتنمية” لإعطاء الأسدي دوراً محورياً في “حكومة الزيدي”، مع طرح اسمه لتولي وزارة الكهرباء، باعتبارها واحدة من أكثر الوزارات احتياجاً إلى قيادة إدارية تمتلك القدرة على إدارة الملفات الاستراتيجية والتعامل مع الضغوط السياسية والاقتصادية، بعيداً عن العقلية الفنية الضيقة التي كثيراً ما أوقعت الوزارة في دوامة الأزمات.
ويرى مراقبون أن التجارب العالمية في دول مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة وهولندا تؤكد هذا التوجه، حيث يتولى الوزراء أدواراً سياسية وإدارية عليا، بينما تعتمد الجوانب التقنية والتنفيذية على المؤسسات والكوادر المتخصصة.
وعلى منصة “إكس”، تداول ناشطون ومحللون سياسيون تغريدات تشيد بأداء الأسدي، معتبرين أن الاستمرارية في الاعتماد على الشخصيات الإدارية الناجحة تمثل ضرورة لتجنب إعادة إنتاج الإخفاقات السابقة الناتجة عن تدوير المناصب وفق حسابات حزبية أو شعارات تقنية غير واقعية.
وبين صخب التنافس على الحقائب الوزارية، تبدو معركة “الإدارة أم التكنوقراط” واحدة من أبرز العناوين التي سترسم ملامح حكومة الزيدي المقبلة، وتحدد ما إذا كانت ستسير بمنطق التجربة والخبرة… أم بمنطق الشعارات العابرة.







































