الحوت الأزرق..

الحوت الأزرق..
آخر تحديث:

بقلم: كاتبها//

لم يكن الحوت الأزرق مجرد كائن يعيش في أعماق المحيط، بل أصبح في حكايتنا السياسية رمزاً لمرحلة بدأت ملامحها تتشكل بعد عام 2004
حين دخلت الأسماك الكبيرة إلى مستنقع السياسة العراقية، وبدأت رحلة البحث عن النفوذ والثروة والسلطة على حساب وطن أنهكته الحروب وتركه أبناؤه البسطاء ينتظرون غداً أفضل.
بدأ الحوت مشواره بأصوات الشعب وتسلّل إلى قلوب المواطنين بشعارات الإصلاح والتغيير والعدالة وكسب عاطفة الإنسان العراقي البسيط الذي صدّق الوعود، وانتظر أن يرى بلداً يليق بتضحياته. لكن السؤال الذي ظل يلاحق هذه الرحلة. ماذا جنى المواطن من كل تلك الوعود؟ وماذا جنى العراق من سنوات طويلة من إدارة السلطة؟
كبر الحوت ولم تعد مياه المستنقع تتسع له. استعان بسمكة القرش، وتحولت العلاقة بينهما إلى شبكة مصالح ونفوذ وأصبحت الثروة والامتيازات عنواناً لمرحلة لا يزال المواطن يدفع ثمنها. قصور وعقارات وأموال وشركات فيما يقف أصحاب الرواتب المحدودة أمام أبواب المصارف ينتظرون استحقاقاتهم.
ولم يكتفِ الحوت بذلك، بل قيل إنه اشترى كل شيء في طريقه، حتى بات السؤال عن الضمائر أكثر إلحاحاً من السؤال عن الأموال. فحين تصبح المصلحة أقوى من المبدأ ويصبح الصمت أغلى من الحقيقة تضيع الحدود بين المسؤولية والصفقة.
ثم ظهرت في أعماق المحيط سمكة تحمل اسم «المستقلة»، ويُقال إنها مستقلة، لكن الاستقلالية لا تُقاس بالأسماء والشعارات، بل بالقرارات والمواقف. فكيف يمكن الحديث عن مؤسسة مستقلة إذا كانت المناصب، بحسب ما يُثار من تساؤلات محاطة بالتجاذبات والمحاصصة السياسية؟ ومن يملك الجرأة لفتح ملفاتها إن كانت هناك مخالفات، ووضعها أمام الرأي العام؟ ولماذا تبقى بعض الملفات بعيدة عن ضوء المساءلة؟
أما المستنقعات، فقد امتلأت بأسماك صغيرة وكبيرة لكل منها حصة ونفوذ ومصلحة، حتى بات المواطن يتساءل: هل أصبحت مؤسسات الدولة ملكاً للشعب أم تحولت إلى مناطق نفوذ تتقاسمها القوى السياسية؟
وفي هذه البيئة تتعقد ملفات الفساد، وتتشابك المصالح، وتُطرح أسئلة خطيرة عن السلاح خارج مؤسسات الدولة. وعن شبكات المصالح والولاءات التي تضعف هيبة القانون. وبين هذا وذاك، يبقى المواطن العراقي هو الحلقة الأضعف، يدفع ثمن الصراعات من لقمة عيشه ومستقبل أبنائه.
والأكثر إيلاماً أن بعض الناس باتوا يعتقدون أن أبواب الحقوق لا تُفتح إلا بالواسطة أو الرشوة وأن النزاهة أصبحت عبئاً على صاحبها. وهذه كارثة أخلاقية قبل أن تكون أزمة سياسية. فحين يفقد المجتمع ثقته بالعدالة، يصبح إصلاح الدولة أصعب بكثير.
الحوت الأزرق إلى متى ستبقى تلتهم خيرات العراق؟
إلى متى تبقى ثروات البلاد مادة للتنافس بين أصحاب النفوذ، فيما المواطن يبحث عن فرصة عمل، وشاب ينتظر تعييناً ومريض ينتظر علاجاً وعائلة تنتظر سكناً يقيها الإيجار؟
دخلتم العراق بلا قصور ولا إمبراطوريات مالية واليوم تُطرح أسئلة عن الثروات والعقارات والأملاك والاستثمارات داخل البلاد وخارجها. فمن أين جاءت هذه الثروات؟ وكيف تضخمت؟ وهل تستطيع الجهات الرقابية أن تضع ملفات الذمم المالية ومصادر الأموال أمام الشعب، بعيداً عن الانتقائية والحماية السياسية؟
إن العراق ليس محيطاً مفتوحاً للصيد وليس مستنقعاً تتقاسمه الأسماك الكبيرة وليس ملكاً لحوت أو قرش أو سمكة تدّعي الاستقلال.
العراق وطن وثروته ملك لشعبه ومناصبه مسؤولية وليست غنيمة.
وليعلم الجميع أن الشعوب قد تصبر طويلاً وقد تخدعها الشعارات مرة ومرتين لكنها لا تنسى حقوقها، ولا يمكن أن تبقى الحقيقة مدفونة إلى الأبد.
سيأتي يوم تُفتح فيه الملفات، وتُسأل فيه الأسماك الكبيرة عن كل ما جرى في أعماق المحيط وعندها لن تنفع الشعارات ولن تحمي أحداً المناصب ولن يكون للنفوذ قيمة أمام القانون.
فالحوت مهما بلغ حجمه ومهما اتسعت أعماقه لا يستطيع ابتلاع وطن بأكمله إلى الأبد.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *