حذف الأصفار يعود إلى الواجهة.. إنقاذ للدينار أم تغيير للأرقام وسط أزمة السيولة؟

حذف الأصفار يعود إلى الواجهة.. إنقاذ للدينار أم تغيير للأرقام وسط أزمة السيولة؟
آخر تحديث:

عاد ملف حذف الأصفار من الدينار العراقي إلى واجهة النقاش الاقتصادي، بعد سنوات طويلة من بقائه قيد الدراسة، بالتزامن مع ضغوط مالية متزايدة تواجه الحكومة، وأزمة سيولة، وتساؤلات حول حجم الأموال المتداولة خارج الجهاز المصرفي.

ويطرح مؤيدو المشروع حذف الأصفار أو إصدار عملة جديدة بوصفه خطوة قد تسهم في تبسيط التعاملات وتنظيم الدورة النقدية، فيما يحذر اقتصاديون من تحويل الإجراء إلى «وصفة سحرية» لأزمة مالية لا تعالجها إعادة ترقيم العملة.

وأثار تصريح وزير الاتصالات مصطفى سند بشأن وجود قرار حكومي يتعلق بحذف الأصفار أو تغيير العملة جدلاً واسعاً، بعدما ربط الخطوة بمحاولة التعامل مع الأموال المنهوبة، التي قدرها بنحو 8 تريليونات دينار. في المقابل، كانت الحكومة قد نفت في حزيران الماضي وجود توجه رسمي لتغيير العملة أو حذف ثلاثة أصفار.

ويعود المشروع إلى عام 2007، حين بدأ البنك المركزي دراسة حذف الأصفار، فيما أكد محافظه السابق علي العلاق في 2024 أن المشروع لا يزال قائماً، من دون تحديد موعد للتنفيذ. ومع تصاعد الحديث عنه خلال آب الجاري، ظهرت مقترحات لإدراجه ضمن حزمة إجراءات اقتصادية، إلى جانب خيارات تتعلق بتغيير العملة وإصدار فئات نقدية جديدة.

تغيير الأرقام لا يصنع الثروة

ويرى اقتصاديون أن المشكلة الأساسية لا تكمن في عدد الأصفار، بل في طبيعة الاختلالات المالية والاقتصادية التي يواجهها العراق.

ويحذر الباحث الاقتصادي أحمد عيد من أن التوقيت الحالي غير مناسب، مع استمرار أزمة السيولة وارتفاع الالتزامات الحكومية، مؤكداً أن حذف الأصفار لا يخلق أموالاً جديدة، ولا يمول الرواتب، ولا يخفض العجز أو الدين العام، ولا يرفع القوة الشرائية للدينار.

فإذا حُذفت ثلاثة أصفار، فإن الألف دينار القديم سيصبح ديناراً واحداً جديداً، بينما يعاد احتساب الرواتب والأسعار والمدخرات والديون والعقود بالنسبة نفسها، من دون أن تتغير القيمة الحقيقية للثروة.

ويخشى مختصون من أن يؤدي تطبيق المشروع في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النقد إلى ارتباك في الأسواق، وتقريب الأسعار إلى الأعلى، وفتح المجال أمام المضاربة، خصوصاً إذا لم ترافقه رقابة صارمة وحملات توعية واسعة.

هل تكشف العملة الجديدة الأموال المنهوبة؟

ومن أكثر الملفات حساسية في مشروع حذف الأصفار، إمكانية استخدام عملية استبدال العملة للكشف عن الأموال غير المشروعة.

لكن عضو رابطة المصارف العراقية سلام زيدان يرى أن تغيير الأوراق النقدية وحده لن يكون كافياً، مشيراً إلى إمكانية تحويل الأموال غير المشروعة قبل الاستبدال إلى الذهب أو الدولار أو العقارات، ما يجعل تعقبها أكثر تعقيداً.

كما أن تطبيق المشروع سيتطلب طباعة عملة جديدة، وتحديث أنظمة المصارف والصراف الآلي والدفع الإلكتروني والحسابات الحكومية، إلى جانب تحديد فترة انتقالية للتعامل بالعملتين، وتنظيم الأسعار والعقود والرواتب.

الدينار أمام اختبار السيولة

ويأتي الجدل حول حذف الأصفار في وقت تواجه فيه المالية العراقية ضغوطاً كبيرة، مع تراجع الإيرادات النفطية وارتفاع الحاجة إلى تمويل النفقات العامة.

ويشير المختص في الشأن المالي والمصرفي مصطفى حنتوش إلى أن الحكومة تعمل على ضبط الإنفاق وحصره في النفقات الأساسية، مع اللجوء إلى أدوات الدين لتغطية العجز، الذي يقدّر بنحو 6 تريليونات دينار شهرياً، في ظل تداعيات انخفاض الإيرادات النفطية المرتبطة بأزمة مضيق هرمز.

وبذلك، يرى خبراء أن المعركة الحقيقية ليست مع الأصفار الموجودة على العملة، بل مع العجز، وضعف الإيرادات غير النفطية، والاعتماد المفرط على النفط، واتساع التعامل النقدي خارج المصارف.

113 تريليون دينار خارج المصارف

وتزداد حساسية الملف مع تقديرات تشير إلى وجود نحو 113 تريليون دينار ككتلة نقدية متداولة، بينها قرابة 106 تريليونات خارج الجهاز المصرفي، وسط مقترحات لإعادة جزء من هذه الأموال إلى الدورة المصرفية.

ويؤكد خبراء أن نجاح أي عملية لإعادة هيكلة العملة يتطلب بيئة اقتصادية مستقرة، وسعراً مستقراً للصرف، ونظاماً مصرفياً أكثر كفاءة، وإجراءات صارمة لمكافحة غسل الأموال والتزوير والتهريب.

فـقوة الدينار لا يصنعها حذف الأصفار، بل يصنعها اقتصاد قوي، وإنتاج حقيقي، وإيرادات مستقرة، وثقة بالمؤسسات المالية.

ويبقى السؤال المطروح: هل يكون حذف الأصفار خطوة لإعادة ترتيب النظام النقدي العراقي، أم محاولة لتغيير شكل الأزمة فيما تبقى أسبابها الحقيقية قائمة؟

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *