في قلب بابل، تتعالى أصوات القلق والتهديدات، حيث ظهر مسلحون مجهولون يحملون قاذفات وحقائب ثقيلة، رافضين تنفيذ مشروع “جسر الجنسية”. لكن خلف هذه الصورة المسلحة يكمن عالم من الأسباب المعقدة والمترابطة، التي تجعل رفضهم أكثر من مجرد موقف عابر.
أول هذه الأسباب هو الخوف من فقدان النفوذ والموارد. هؤلاء المسلحون، الذين يسيطرون على مسارات التنفيذ والمشاريع في المنطقة، يعتبرون أي مشروع جديد تهديدًا لمصالحهم المالية والسياسية. فكل جسر يُبنى، وكل طريق يُشق، يعني فرصة أقل لفرض سيطرتهم، وفرصًا جديدة للآخرين، وهو ما لا يريدون أن يحدث.
ثم هناك الأبعاد السياسية والعرقية. مشاريع البنية التحتية الكبرى غالبًا ما تُفسر كأدوات لإعادة توزيع النفوذ بين المجتمعات. لذلك، رفض المشروع هو محاولة لمنع أي تغيير قد يقلب موازين القوى أو يمنح ميزة لمجتمعات أخرى على حساب نفوذهم.
ولا يمكن إغفال البعد الأمني. الجسور والطرق الكبيرة تسهّل حركة القوات الحكومية والمراقبة، وهو ما يقلقهم. بالنسبة لهم، المشروع ليس مجرد بناء، بل تهديد لمناطق نفوذهم، لذلك جاء الرفض مصحوبًا بالتهديد المباشر للمحافظ علي تركي، كرسالة واضحة: “لا خطوات بدون استشارتنا”.
وأخيرًا، هناك طبقات الغموض والدوافع المتشابكة، بين مصالح شخصية، ضغوط محلية، وتأثيرات خارجية. كل هذه العناصر تجعل من رفض المشروع موقفًا متأصلًا، يعكس صراع النفوذ والهوية والموارد في بابل، أكثر من كونه مجرد خلاف حول جسدٍ من الحديد والخرسانة.
في النهاية، يظل الجسر أكثر من مجرد مشروع بنية تحتية؛ إنه مرآة للصراع الخفي، ورمز للتوازن الهش بين القوة والمصالح، بين التهديد والأمل، في أرض لا تهدأ فيها المياه أبدًا.
