هل جربت يوماً أن تعيش في لوحة سريالية، لكنها ممولة بالمليارات؟العراق, دولة نفطية ثرية , تنقل الأنابيب ذهبها الأسود إلى موانئ العالم ومصافيه , وتأتي العائدات بالمليارات , لا لتبني رصيفاً ممهداً , بل لتنفخ أرصدة مسؤولين فاسدين , تخيّـل معي المشهد السريالي : بئر النفط بأكمله يصب مباشرة في جيب وكيل وزارة , وعلى مدى عشرين عاماً ونيّف والحديث لا ينقطع عن لصوص المال العام , الذين يزدادون جشعاً ولا يبالون , يتابعون ما يقال عنهم في الشاشات ثم يهزّون أكتافهم برقة كراقصات محترفات , فـ (( لا حياء )) لمن تنادي , وكأن المواطن العراقي الشريف لم يأتِ إلى هذه الدنيا إلا ليؤدي دور (( الضحية الفخرية )) , مردداً منذ عقود الأغنية الأزلية : (( اللي شبكنا يخلّصنا )) , وما زال ينتظر المخلّص.تحاول أن تفهم فلا تفهم , كيف يمكن لشعب محروم من رصيف , ومن (( كهرباء وطنية )) – هكذا يسمون كهرباء الدولة تهكماً – ومدرسة منضبطة , وخدمة علاجية لائقة , شعب يتكدس فيه خريجو الجامعات على الأرصفة يطالبون بوظائف , كيف يمكن له أن يتفرج على ناهبي قوته وهو داهش , دائخ , ساخط , وساكت ؟ .في القرن الأخير , انقسم البشر بعد أن تمكنوا من علوم العصر إلى جماعتين : الأولى تنعم بالعلم , والمعلومة , والوعي بالوجود , والحياة التي لا ينتهي فيها دور البشر المتصاعد للفهم والاكتشاف , والثانية تعيش في ظلمات الأسطورة , يتحكم فيها غيلان بشرية افتقدوا العقل والإنسانية , وللأسف , نحن من هؤلاء التعساء الذين يُراد لهم رفض التعلم , لأن من يقودون القطيع ويتحكمون فيه بمهارة , يفضلون الشارع على حاله هذا من السكون والغفلة , لقد نجحوا في (( هندسة )) عقل وسلوك رجل الشارع , وجعلوه – رغم كل الإحباطات من غلاء أسعار, وسوء خدمات , وتحطيم للمدارس والمساكن والمدافن ومراكز الشباب – ساكناً , هادئاً , ومتقبلاً عسف رجال الحكومة ببلادة يُحسد عليها , لم نَرَ مثل هذا السكوت الفاخر , ولا أولئك اللصوص المتجرئين , حتى في حكايات (( دولة العيارين والشطار)) .في اعترافات من قلب المحاصصة , عندما يسرب النظام وثائق سقوطه , وعندما تبلغ السريالية ذروتها , يخرج علينا (( رئيس أعلى هيئة تشريعية في البلاد )) – وهو شخصية قيادية حزبية وبمنصب حكومي رئاسي مهم – ليعلن بكل جرأة وثقة : (( لديّ ملف فساد , لو كُشف عنه لسقط وانهار النظام بأكمله )) , وتلك هي منتهى الأمانة الحكومية , رئيس البرلمان يهدد الشعب بانهيار النظام إذا طُبّق القانون , إننا لسنا أمام تصريح عابر , بل هي صرخة مكبوتة من داخل أحشاء نظام متهالك , وقنبلة موقوتة تكشف عن جبال الفساد المتراكمة في أروقة الحكم منذ 2003 , هذا ليس كلام مواطن عادي غاضب أو عاجز , ولا صحفي ثائر متمرد , بل هو صوت من قلب (( مطبخ )) المحاصصة.ولكن , هل سيُحاسب ؟ هل سيُستجوب ؟ بالطبع لا , فشباك المحاصصة الطائفية والحزبية جاهزة لابتلاع التصريح , تماماً كما ابتلعت كرامة وآمال العراقيين وثرواتهم على مدى أكثر من عقدين , وهنا يطرح السؤال الكبير نفسه : متى يستطيع الوطنيون إنهاء هذه الهيمنة الطائفية ؟ وفيمَ الانتظار؟ هل يريد بعضهم (( تسليم )) البلاد لهم (( تسليم مفتاح؟ )) , وهل هناك سياسة في العالم بلا مخاطرة ؟إن هذا المشهد الداخلي يرتبط بعبثية المشهد الإقليمي , فنحن ندرك أن مصارين البطن تتصارع , لكن المعدة واحدة , والحقيقة المرة هي أننا نتساءل , هل الكل صادقٌ في دعواه خصومة الطائفية ؟ أم أن هناك من يمدّ معهم حبال الودّ في الخفاء تحت دعوى (( وحدة الجبهة الفكرية والخلفية الآيديولوجية )) بغض النظر عن اللون المذهبي؟ نحن نعرف أن إيران الخمينية تعدّ نفسها راعية (( الصحوة )) الأولى في العالم الإسلامي , وحتى إن اختلف (( الإخوة الأعداء )) يوماً أو أياماً على غنيمة هنا أو هناك , فالمثل يقولها بدقة : (( مصارين البطن تتعارك )) , لكنها في النهاية تخدم (( معدة )) واحدة , وتمد ديدان الفساد ذاتها بالطاقة.العراق يستحق أفضل من هذه المسرحية الهزلية السوداء , والصدق صابون القلوب , لو كانت هناك قلوب لم تغسلها أموال السحت بعد.
مقامة جمهورية (( تسليم المفتاح )) : كيف تُطعم مصارينُ البطن معدةَ الفساد؟
آخر تحديث:
صباح الزهيري







































