في المشهد السياسي العراقي، لا تُدار المعارك دائمًا داخل قاعات البرلمان أو خلف أبواب الاجتماعات الرسمية، بل كثيرًا ما تُحاك خيوطها وسط حسابات النفوذ، وتوازنات القوة، وتحالفات تُبنى على المصالح قبل المبادئ. وهنا يبرز التوتر المتصاعد بين تيار الحكمة وائتلاف دولة القانون، كصورة جديدة لصراعٍ قديم يتجدد كلما اقتربت السلطة من إعادة توزيع أوراقها.
فتيار الحكمة، الذي يحاول أن يظهر بصورة التيار المعتدل القادر على الجمع بين السياسة والهدوء، يجد نفسه اليوم في مواجهة مباشرة مع دولة القانون، التي لطالما اعتمدت على ثقلها السياسي وخبرتها الطويلة في إدارة مفاصل النفوذ. وبين الطرفين، لا يبدو الصراع مجرد اختلاف بالرؤى، بل سباقًا محمومًا نحو تثبيت المواقع وحماية الامتيازات.
الحديث عن “تحالف المصالح الشخصية” لم يأتِ من فراغ، فالمشهد العراقي اعتاد على ولادة تحالفات تتغير ملامحها بتغير الظروف. الخصومات قد تتحول إلى تفاهمات، والحلفاء قد يصبحون خصومًا خلال ليلة سياسية واحدة، لأن البوصلة في كثير من الأحيان لا تشير نحو المبادئ بقدر ما تشير نحو المكاسب والنفوذ وحسابات البقاء.
تيار الحكمة يسعى إلى توسيع حضوره السياسي عبر خطاب أكثر مرونة، يحاول من خلاله جذب الأطراف المترددة وتقديم نفسه كقوة قادرة على لعب دور الوسيط وصانع التوازن. في المقابل، ترى دولة القانون أن أي تمدد جديد قد يأتي على حساب نفوذها التاريخي، لذلك تتحرك بثقلها السياسي لمنع أي تغيير قد يخل بموازين القوة داخل الساحة الشيعية.
لكن خلف هذا الصراع، تكمن معركة أعمق من مجرد مقاعد أو مناصب؛ إنها معركة “من يقود المرحلة المقبلة؟”. فكل طرف يدرك أن التحالفات القادمة لن تُبنى على الشعارات فقط، بل على القدرة في جمع الحلفاء، وامتلاك أوراق الضغط، والسيطرة على مفاصل القرار. ولهذا، تبدو التصريحات المتبادلة أحيانًا وكأنها رسائل مشفرة أكثر من كونها مواقف علنية.
وفي خضم هذه التجاذبات، يبقى الشارع العراقي يراقب بحذر، متسائلًا إن كانت هذه الصراعات ستقود إلى إصلاح حقيقي، أم أنها مجرد إعادة تدوير لتحالفات المصالح ذاتها، بأسماء وخطابات مختلفة. فالمواطن الذي أثقلته الأزمات لم يعد يعنيه من ينتصر سياسيًا، بقدر ما يعنيه أن يرى دولة مستقرة قادرة على تجاوز دوامة النفوذ والصراع.
وفي النهاية، يبدو أن المشهد العراقي ما زال يدور داخل دائرة معقدة؛ حيث تتقاطع الطموحات مع المصالح، وتتصادم الرغبات مع حسابات السلطة، ليبقى السؤال الأكبر معلقًا فوق الجميع:
هل تُبنى التحالفات لخدمة الوطن… أم لحماية عروش السياسة؟







































