لم يكن صعود رجل الأعمال الشاب والخبير المالي والقانوني علي فالح الزيدي إلى سدة رئاسة الوزراء في بغداد مجرد تبدل تقليدي في الوجوه السياسية، بل جاء كـ “ميكانيزم تسوية” فرضته لحظة تاريخية حرجة، تلاقت فيها انسدادات الداخل مع التهابات الخارج الإقليمي. إن ولادة هذه الحكومة تحت مظلة الإطار التنسيقي، وفي خضم زلازل جيوسياسية تعصف بالمنطقة ولا سيما بالعمق الإيراني تضع الكابينة الجديدة أمام اختبار فك الارتباط بين أزمات المحيط واستقرار الداخل، وتحويل مفهوم “حكومة التناقضات” إلى “حكومة الممكن السياسي”.
أولاً: ظلال الإقليم الساخن وفلسفة الدبلوماسية المأزومة
تتأثر حكومة الزيدي بشكل عضوي بالظروف الاستثنائية التي تمر بها الجمهورية الإسلامية في إيران؛ فالضغوط القصيرة والطويلة المدى التي تواجهها طهران تدفعها بالتبعية إلى محاولة تحصين ساحتها الخلفية الأهم: بغداد. وهنا يكمن التحدي الأعمق للزيدي: كيف يمارس حوكمة رشيدة تطمئن الشركاء الإقليميين من دون السقوط في فخ التبعية المطلقة؟.
المعادلة مع واشنطن: تراقب الولايات المتحدة هذه الحكومة “بقبول حذر وتوجس صامت”. خلفية الزيدي الاقتصادية والمالية قد تمنح البيت الأبيض هامشاً للبراغماتية، لكن الارتباط التاريخي لبعض مفاصل المشهد المالي والسياسي العراقي بالقوى المقربة من طهران يبقي سيف العقوبات والرقابة الأميركية مشهراً. لذا، فإن استقرار الحكومة يعتمد على مدى قدرتها على لجم السلاح المنفلت، والالتزام بالمعايير المالية الدولية لمنع تهريب العملة.
المحيط العربي: يتطلع الزيدي إلى تعزيز “الحاضنة العربية” كمصدّة اقتصادية وسياسية. إن نجاحه في هذا الملف مشروط بقدرته على إثبات أن بغداد لاعب مرن وليس مجرد “بريد دبلوماسي” لمحاور أخرى؟مستثمراً رغبة عواصم الخليج في سحب العراق تدريجياً نحو عمقه العربي عبر بوابة الاستثمار والطاقة.
ثانياً: معايير الاختلاف.. هل تنجو حكومة التكنوقراط المالي؟
تتجلى فرادة تجربة رئيس الوزراء علي الزيدي في كونها لا تمثل مجرد تداول تقليدي للسلطة، بل تكشف عن قطيعة بنيوية مع الآليات التي أدارت بها الحكومات السابقة شؤون البلاد، وهو ما يمكن رصده من خلال أربعة تحولات جوهرية تعيد رسم ملامح الدولة العراقية:
على الصعيد السياسي، غادرت الكابينة الحالية مربع المحاصصة الكلاسيكية الفجة التي هيمن عليها جيل “الآباء المؤسسين” للعملية السياسية بعد عام 2003، لتفسح المجال أمام صعود جيل شاب تكنوقراطي، متسلح بخلفيات مالية وقانونية، يحاول انتزاع القرار من احتكار النخب التقليدية وتفكيك شبكات النفوذ القديمة لصالح إدارة أكثر ديناميكية وحداثة.
هذا التحول السياسي قد ينعكس بوضوح على الأداء الاقتصادي؛ فبينما أغرقت الحكومات السابقة البلاد في أتون الاقتصاد الريعي المطلق، عبر تضخيم الموازنات التشغيلية وهدر الثروات في توظيف سياسي غيرنتج، تتبنى حكومة الزيدي فلسفة مغايرة تنطلق من رؤية إصلاحية هيكلية؛ ترتكز على تنشيط القطاع الخاص، وجذب الاستثمارات الأجنبية، ومحاولة تنويع مصادر الدخل القومي لتقليل الارتباط التاريخي العضوي بأسعار النفط المتذبذبة . والعبرة بالكيفية والتطبيق، وتنفيذ الخطوات العملية المشار إليها آنفاً.
ولن تقف حدود هذا التميّز (أو التمايز) عند الداخل، بل تمتد لتشمل المعادلة الدبلوماسية؛ فبعد سنوات من الدبلوماسية الإيديولوجية المتشنجة أو الوساطات المجهدة التي جعلت من بغداد (ساعي بريد) بين المحاور المتصارعة، قد تحاول حكومة الزيدي صياغة عقيدة خارجية جديدة قائمة على “البراغماتية النفعية”. إنها دبلوماسية ترتكز على لغة الأرقام والمصالح المتبادلة والاستثمار المشترك، مما يمنح العراق هامش مناورة أوسع في محيطه العربي والدولي.
وأخيراً، يظهر الفارق الجوهري في ملف الخدمات وتلبية تطلعات المواطن؛ وذلك عندما تستبدل الإدارة الحالية سياسة “المشاريع الترقيعية” والمسكنات الآنية التي اتسمت بها الحقب الماضية والتي طالما افتقرت إلى الاستدامة برؤية مؤسسية بعيدة المدى، تسعى جاهدة لربط مخرجات التعليم بمتطلبات سوق العمل الفعلي، وإطلاق مشاريع بنى تحتية استراتيجية تتجاوز مفهوم الاستهلاك اليومي إلى بناء ركائز تنموية مستدامة.
ثالثاً: الدور السني والكُردي وثنائية الشراكة والتهميش .
لم تعد المشاركة السنية والكُردية في هذه الحكومة ترفاً سياسياً، بل هي عماد “الشرعية المكوناتية” للدولة:
الدور السني: يدخل المكون السني برئاسة هيبت الحلبوسي لمجلس النواب ككتلة تبحث عن تثبيت المكتسبات، وضمان إعمار المدن المحررة، وحسم ملفات النازحين والمعتقلين. الدور السني هنا يتحرك بعقلية التاجر الباحث عن استقرار البيئة السياسية لتعظيم المكتسبات المحلية ضمن الدولة الاتحادية.
الثقل الكُردي وحجم الكتلة: حظي الكرد بمواقع متقدمة في بغداد وهو ما منحهم ثقلاً (رمزياً) ودستورياً وازناً. ولم تعد الكتلة الكُردية “هامشية” كما جرى في بعض الفترات الإقصائية، لكنها في الوقت ذاته لم تستعد “العصر الذهبي” الذي تلا عام 2003 حين كان القرار الفيدرالي في العراق يمر حتماً عبر بوابات أربيل. إن دورهم اليوم هو دور “الشريك الحذر” الذي يملك حق النقض الفعلي (الـ Veto) على القرارات الاستراتيجية، ولكنه يفتقد القدرة على توجيه دفتها بمفرده.
رابعاً: معضلة “البيت الكُردي” الداخلي وانعكاساتها الدولية .
تكمن الخطيئة الجيوسياسية الأكبر التي تهدد المكون الكُردي في بغداد بـ الانقسام العمودي بين الحزبين الرئيسيين (الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني). إن نقل الخلافات من السليمانية وأربيل وتصديرها إلى أروقة القرار في بغداد ينتج حتماً تبعات وخيمة:
فعندما تضعف وحدة الموقف الكُردي في بغداد، يتحول الإقليم من فاعل يصيغ الشروط إلى مفعول به تُملى عليه التوافقات.”
الانعكاس على الساحة الداخلية للإقليم: هذا التشرذم يهدد الكيان الدستوري لإقليم كُردستان، حيث يفتح الباب لبغداد للاستثمار في الخلافات (عبر ملفات رواتب الموظفين، النفط والغاز، والموازنة العامة)، مما يزيد من النزعة الانفصالية الإدارية بين معقلي الحزبين ويقوض وحدة القرار الأمني والاقتصادي في الإقليم.
موقف واشنطن والعواصم الأوروبية: تنظر الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بـ “قلق استراتيجي بالغ” لهذا الانقسام. فالغرب الذي طالما اعتبر إقليم كُردستان “واحة للاستقرار الديمقراطي والأمني” في منطقة مضطربة، يرى في هذا التآكل الداخلي إضعافاً لحليف موثوق في الحرب ضد الإرهاب وتوازنات الردع. الضغوط الغربية مستمرة لتوحيد صفوف البشمركة والخطاب السياسي، محذرة من أن استمرار التشظي قد يقلص الدعم المالي والعسكري الدولي للإقليم.
الموقف الإقليمي: تستغل القوى الإقليمية (تركيا وإيران) هذا الانقسام بذكاء؛ حيث تسعى كل قوة لتعميق صلاتها بطرف كردي ضد الآخر، لتأمين مصالحها الأمنية وملاحقة معارضيها على أراضي الإقليم، مما يجعل كردستان ساحة لتصفية الحسابات بدلاً من أن تكون منصة للاستقرار.
إن حكومة علي الزيدي هي “حكومة الفرصة الأخيرة” لبنية سياسية تحاول تجديد جلدها هرباً من السقوط. إن نجاح هذا الرجل القادم من عالم المال والأعمال مرتهن بقدرته على فك التلازم بين “اقتصاد الدولة” و”اقتصاد الأحزاب”، ومدى براعته في إدارة التناقض الأميركي-الإيراني دون أن يسحق العراق بين فكّي المطرقة والسندان. أما بالنسبة للكُرد والسنة، فإن حكومتهم الحالية ليست صك أمان دائم، بل هي مساحة مناورة تتطلب وعياً بمتغيرات الإقليم، لأن العاصفة إن هبّت، لن تميز بين مراكز القرار في بغداد أو أربيل أو الحنانة.







































