في السياسة العراقية، أحياناً لا تحتاج المواقف إلى خطابات طويلة؛ يكفي أن يصمت المسؤول حتى تبدأ الأسئلة بالحديث نيابة عنه. وهنا يظهر السؤال الذي يلاحق كواليس المشهد: لماذا اختار محمد شياع السوداني الصمت بينما كانت أصوات العتب ترتفع داخل الإطار على طريقة تعامل حكومة علي الزيدي مع ملفات الفساد؟
بحسب تصريحات القيادي في الإطار التنسيقي عامر الفايز، فإن بعض قوى الإطار سجلت اعتراضات على استخدام القوة خلال عمليات الاعتقال، في وقت تشير فيه روايات متداولة إلى أن السوداني لم يدخل في موجة الاعتراض، بل دعا إلى التشدد مع الفاسدين.
وهكذا وجد المشهد نفسه أمام مفارقة سياسية لافتة: فريق يرفع راية التحفظ على الأسلوب، وفريق آخر يفضل ترك العاصفة تمر، وكأن القاعدة أصبحت: “دعوا الحملة تمضي.. ثم نناقش التفاصيل لاحقاً”.
لكن السؤال الأوسع يبقى: هل كانت مكافحة الفساد تحتاج إلى كل هذا الاستعراض، أم أن الدولة كان يفترض أن تُظهر قوة القانون لا قانون القوة؟
ففي العراق، اعتاد المواطن أن يرى الملفات الكبرى تفتح بضجيج، ثم تتحول مع الوقت إلى غرف مغلقة وبيانات هادئة، حتى أصبح الشارع يتساءل: هل المعركة ضد الفساد فعلاً، أم أن الفساد نفسه أصبح ورقة في صراع النفوذ بين القوى السياسية؟
أما صمت السوداني، فبقي مساحة مفتوحة للتأويل؛ البعض يراه دعماً غير مباشر للحملة، والبعض يقرأه كابتعاد محسوب عن معركة قد تكون كلفتها السياسية عالية.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي يعرفها الجميع: الفساد لا يحتاج إلى كاميرات ودبابات بقدر ما يحتاج إلى قضاء مستقل، وقرارات لا تتغير بتغير موازين القوى.
ففي السياسة العراقية، ليس كل من يصمت خارج اللعبة.. وأحياناً يكون الصمت هو أكثر المواقف ضجيجاً.






































