في إيجازٍ بليغٍ يغني عن الإسهاب , كتب المندلاوي الجميل : (( قد يكون الموت اهون بكثير : ومن نكد الدنيا على الحر ان يرى عدوا له مامن صداقته بد )) , والحقيقة ان هذا النص وما يحمله من شجون هو مرآة لواقع مرير , وكتابات المندلاوي وتوثيقه بحد ذاته فعل مقاومة ضد النسيان وضد (( تطبيع الهوان )) الذي ذكرناه , وقلمه يحفظ ذاكرة (( الأحرار )) في زمن اختلطت فيه المفاهيم , حيث يلمس بيت شعر المتنبي جرحاً غائراً في الوجدان العراقي , حين تحول البيت من (( حكمة شعرية )) إلى (( واقع يومي )) معاش منذ عام 2003 , فاذا كان المتنبي قد جعل من مداراة العدو ذروة النكد , فإن العراقي بعد الاحتلال قد عاش صياغة جديدة لهذا النكد , حيث لم يعد العدو غريباً تشخص له الأبصار , بل أصبح شريكاً في الوطن , أو جاراً في الزقاق , أو (( مسؤولاً )) يمسك بزمام الرزق والأمان ,يبدو قلب الموازين واضحا وجليا , من مداراة العدو إلى استجداء الخصم , وفي العراق , لم يعد (( الحر )) يداري عدواً واحداً كما في بيت المتنبي , بل وجد نفسه في مواجهة تعددية الأعداء , الاضطرار هنا ليس مجرد (( مجاملة )) بل هو اضطرار للبقاء , حيث يضطر العراقي (( الحر )) لمراجعة دوائر الدولة التي ينخرها الفساد – الذي ذكرته كإيذان بانهيار المجتمعات – فيجد نفسه مضطراً لمداراة الفاسد الذي يكره , فقط ليحصل على حقه الشرعي , وتطبيق مبدأ الولاء فوق الكفاءة , وهنا يتحول (( الموت الهين )) إلى واقع معنوي , حين يرى الكفءُ صاحبَ الولاء الطائفي أو الحزبي يتصدر المشهد , فيضطر لمسايرته تجنباً للتهميش أو (( التغييب )) .في تحديث للرؤية , تحالف ثالوث التخلف الموروث (( فقر , جهل , مرض )) مع ثالوث الاستباحة المستحدث : (( إدارة العسكر , الخطاب الطائفي , الولاء دون الكفاءة )) في العراق , ان تحالف هذا الثالوث مع الثالوث القديم لينتج (( موت الهوية )) , عسكرة المجتمع حين يحل السلاح محل القانون , يصبح (( الحر )) مضطراً لمداراة صاحب السلاح , وهذا هو قمة النكد الذي عناه المتنبي , والطائفية كغطاء للفسادعندما استُخدم الخطاب الطائفي لتبرير وجود (( العدو )) في الداخل , مما جعل المواطن يعيش في صراع بين كرامته (( أنفته )) وبين ضرورات التعايش مع واقع سياسي مفروض.إذا ما أسقطنا فلسفة المتنبي على المشهد العراقي , نجد أن مفهوم (( العدو )) قد تحول من شخص أو خصم واضح المعالم كما صوره الشاعر , إلى منظومة هلامية ومعقدة من الفساد والمحاصصة التي تتغلغل في مفاصل الحياة اليومية , فبينما كان (( الاضطرار )) عند المتنبي نابعاً من ضغوط اجتماعية أو أخلاقية تفرضها المروءة والمداراة , صار المرء في عراق ما بعد الاحتلال يساق وجودياً , بما يمسّ أمن المواطن وخبزه وبقاءه على قيد الحياة , هذا التحول الجذري جعل من (( ضيق الصدر )) والحزن اللذين وصفهما المتنبي يتحولان في الواقع العراقي إلى حالة من الانكسار النفسي الجماعي , وهجرة واسعة للكفاءات التي ضاقت بذرع المداراة , مما أدى في النهاية إلى صراع مرير بين (( الولاء )) للمنظومة السائدة من أجل العيش , وبين (( الانتماء )) للوطن الذي يلفظه من يرفض الانحناء.تظهر فلسفة الاستباحة , حين يصبح (( الحر )) غريباً في داره , وفي هذا السياق , تظهر معضلة أعمق يمكن تسميتها (( تطبيع الهوان )) , إن أخطر ما يواجهه العراق اليوم ليس مجرد وجود (( عدو لا مفر من صداقته )) , بل في تحول هذا العدو إلى (( مرجعية )) للقيم , فعندما يسود معيار الولاء دون الكفاءة , يجد الإنسان الحر نفسه في غربة مضاعفة , فهو ليس مضطراً لمداراة عدوه فحسب , بل هو مضطر لمشاهدة القيم التي آمن بها (( كالنزاهة والعدل )) وهي تُنحر يومياً على مذبح المصالح الضيقة.هنا يكتمل (( الموت الهين )) , فالموت ليس دائماً بتوقف النبض , بل هو في تلك اللحظة التي يضطر فيها الأكاديمي لمداهنة الجاهل , ويضطر فيها الشريف لطلب العون من اللص , إنها (( مقامة الاستباحة )) حيث استبيحت كرامة الإنسان العراقي بجعله مخيراً بين أمرين أحلاهما مرّ: إما الصدام الذي يؤدي إلى الفناء (( الموت المادي )) , أو التعايش مع (( نكد الدنيا )) الذي وصفه المتنبي (( الموت المعنوي )) , وهو الأخطر , لأنه يورث الأجيال ثقافة الاستسلام والقبول بالأمر الواقع تحت مسمى (( الواقعية )) , إن (( الموت الهين )) في العراق اليوم ليس في مفارقة الحياة , بل في (( الحياة على الهامش )) , حيث يضطر الإنسان الكريم لمصافحة اليد التي سرقت أحلامه , ومباركة القوانين التي همشته , لقد تحول بيت المتنبي من توصيف لـ (( حالة نادرة )) إلى (( دستور إجباري )) لمن أراد العيش في ظل الثواليث المدنسة التي أكلت أخضر العراق ويابسه.حين قال المندلاوي (( قد يكون الموت أهون بكثير )) , كان يصف حالة الاستلاب في العراق , في الموت الفيزيائي الذي حصده العراقيون بالملايين , والموت المعنوي , وهو الأقسى , ويتمثل في رؤية (( العدو )) – سواء كان خارجياً أو فاسداً داخلياً – وهو يتحكم في مصير الأجيال , بينما يكتفي (( الحر )) بالصمت لئلا يفقد ما تبقى له من سبل العيش .
مقامة الموت الهين : تجليات (( نكد الدنيا )) في عراق ما بعد 2003
آخر تحديث:
صباح الزهيري
