تمثل البطالة في العراق واحدة من أكثر القضايا الاقتصادية والاجتماعية ارتباطًا بمستقبل الشباب والاستقرار المجتمعي، إلا أن المشكلة لا تقتصر على الأشخاص الذين لا يمتلكون وظيفة، بل تمتد إلى أنماط أخرى أقل وضوحًا، من أبرزها البطالة المقنّعة، والعمالة الناقصة، وعدم التوافق بين المؤهل العلمي والوظيفة. وتبرز هذه المشكلة بصورة خاصة بين خريجي الجامعات والكليات العراقية، في ظل تزايد أعداد الخريجين سنويًا مقابل محدودية قدرة سوق العمل على استيعابهم بصورة منتجة ومستدامة. تشير نتائج مسح القوى العاملة في العراق لعام 2021، الذي نفذه الجهاز المركزي للإحصاء وهيئة إحصاء إقليم كردستان بدعم من منظمة العمل الدولية، إلى أن معدل البطالة في العراق بلغ 16.5%، في حين وصل معدل بطالة الشباب إلى 35.8%، أي أكثر من ثلاثة أضعاف معدل البطالة بين البالغين البالغ 11.2%. وتكشف هذه المؤشرات عن حجم التحدي الذي يواجه الفئات الشابة عند الانتقال من التعليم إلى سوق العمل. (منظمة العمل الدولية) لكن قراءة معدل البطالة وحده لا تكفي لتفسير الواقع العراقي؛ إذ تكشف مؤشرات الاستخدام الناقص للعمل عن صورة أوسع. فقد بلغ معدل البطالة مضافًا إليه العمالة الناقصة المرتبطة بالوقت نحو 24%، بينما بلغ المؤشر المركب للاستخدام الناقص للعمل، الذي يجمع البطالة والعمالة الناقصة والقوة العاملة المحتملة، نحو 31%. كما وصل هذا المؤشر بين الشباب إلى 53.3%، وهو ما يعني أن مشكلة التشغيل تتجاوز مجرد عدم امتلاك وظيفة إلى عدم الاستخدام الكامل والفاعل للقدرات البشرية المتاحة. (منظمة العمل الدولية) وهنا يظهر الفرق بين البطالة الصريحة والبطالة المقنّعة. فالبطالة الصريحة تتمثل في خريج قادر على العمل وراغب فيه ويبحث عن فرصة ولا يجدها. أما البطالة المقنّعة فتظهر عندما يعمل عدد من الأفراد في مؤسسة أو نشاط اقتصادي يفوق العدد المطلوب فعليًا لإنجاز العمل، بحيث يمكن الاستغناء عن جزء منهم من دون أن ينخفض مستوى الإنتاج بصورة جوهرية. وفي العراق، يمكن ملاحظة بعض مظاهر هذه المشكلة في التضخم الوظيفي داخل أجزاء من القطاع العام، ولا سيما عندما تصبح الوظيفة الحكومية وسيلة أساسية لمعالجة الضغط الاجتماعي الناتج عن البطالة، بدل أن يكون التعيين مرتبطًا بصورة دقيقة بالحاجة الفعلية للمؤسسة والإنتاجية المطلوبة منها. ويجب هنا التمييز أكاديميًا بين البطالة المقنّعة وبين حالة أخرى تنتشر بين الخريجين، وهي عدم التوافق بين المؤهل والوظيفة. فليس كل خريج يعمل في غير تخصصه عاطلًا مقنّعًا؛ فقد يعمل مهندس أو خريج علوم أو جغرافية أو إدارة في عمل لا يحتاج إلى مؤهله الجامعي، وهنا تكون المشكلة أقرب إلى سوء استخدام المهارات أو عدم توافق المؤهل مع الوظيفة. أما إذا كانت المؤسسة نفسها تحتوي عددًا من العاملين يفوق حاجتها الفعلية، فإن الحالة تقترب من مفهوم البطالة المقنّعة. وتكشف هذه الظاهرة عن خسارة اقتصادية مزدوجة؛ فمن جهة تنفق الدولة والأسرة سنوات طويلة وموارد مالية على تعليم الفرد، ومن جهة أخرى قد لا يستفيد الاقتصاد من المهارات التي اكتسبها خلال دراسته الجامعية. وهكذا يمكن أن يمتلك العراق أعدادًا كبيرة من حملة الشهادات، في الوقت الذي تعاني فيه بعض قطاعات الاقتصاد من نقص المهارات المتخصصة التي يحتاجها سوق العمل. خريجو الكليات بين الشهادة وانتظار التعيين ترتبط أزمة بطالة الخريجين في العراق بمشكلة هيكلية أعمق تتمثل في العلاقة غير المتوازنة بين التعليم الجامعي وسوق العمل. فقد شهد العراق توسعًا كبيرًا في مؤسسات التعليم العالي وأعداد المقبولين في الجامعات والكليات، إلا أن هذا التوسع لم يرافقه نمو مماثل في القطاعات الاقتصادية القادرة على خلق فرص عمل جديدة. ونتيجة لذلك، أصبح التخرج الجامعي بالنسبة إلى شريحة واسعة من الشباب بداية مرحلة جديدة من انتظار الوظيفة الحكومية، بدل أن يكون بداية للاندماج في سوق عمل متنوع بين القطاعين العام والخاص وريادة الأعمال والمشاريع الإنتاجية. وتشير خطة التنمية الوطنية العراقية 2024–2028 إلى ضرورة تطوير سوق العمل، ودعم القطاع الخاص، وتمويل الصناعات الصغيرة والمتوسطة والمشاريع الشبابية، وتنفيذ برامج للحد من معدلات البطالة المرتفعة، ولا سيما بين الشباب والنساء. كما تتضمن الخطة توجهًا نحو تعزيز سياسة تشغيل وطنية وتوسيع الانتقال من الاقتصاد غير المنظم إلى الاقتصاد المنظم. (وزارة التخطيط) ويكشف ذلك أن معالجة البطالة في العراق لم تعد ممكنة من خلال زيادة التعيينات العامة وحدها. فاستيعاب أعداد متزايدة من الخريجين داخل أجهزة الدولة من دون وجود حاجة وظيفية حقيقية قد يؤدي إلى تحويل البطالة الصريحة إلى بطالة مقنّعة داخل الجهاز الحكومي بدل حل المشكلة جذريًا. بمعنى آخر، قد ينجح التعيين الحكومي في إزالة الخريج من قوائم العاطلين، لكنه لا يضمن بالضرورة أن الاقتصاد قد أصبح أكثر إنتاجية. لماذا تتسع الفجوة بين الجامعة وسوق العمل؟ ترتبط المشكلة بعدة عوامل، أبرزها استمرار القبول بأعداد كبيرة في بعض التخصصات دون ارتباط كافٍ بحجم الطلب عليها في سوق العمل، وضعف قدرة القطاع الخاص على توفير وظائف مستقرة وجاذبة للخريجين، فضلًا عن محدودية التواصل المؤسسي بين الجامعات والقطاعات الاقتصادية. كما أن التحولات الاقتصادية والتكنولوجية السريعة خلقت طلبًا متزايدًا على المهارات الرقمية والتقنية والتحليلية واللغات وإدارة البيانات والذكاء الاصطناعي، بينما لا تزال بعض البرامج الجامعية تعتمد بصورة كبيرة على المعرفة النظرية أكثر من المهارات التطبيقية المرتبطة بسوق العمل. وقد أظهرت دراسات مرتبطة بتشغيل الشباب في العراق وجود فجوة بين العرض والطلب على العمل، إلى جانب ضعف فرص العمل في القطاع الخاص، وهي عوامل تزيد صعوبة انتقال الشباب من التعليم إلى العمل. (منظمة العمل الدولية) وفي فبراير/شباط 2026، أكدت منظمة العمل الدولية استمرار ارتفاع بطالة الشباب في العراق، بالتزامن مع توسيع البرنامج الوطني لنوادي البحث عن عمل بالتعاون مع وزارة الشباب والرياضة، بهدف تزويد الشباب بمهارات البحث عن الوظيفة والتسويق الذاتي والاستعداد للمقابلات والوصول إلى معلومات سوق العمل. وهذا يدل على أن مشكلة الانتقال من الجامعة إلى سوق العمل ما تزال قائمة وتحتاج إلى سياسات طويلة الأمد. (منظمة العمل الدولية) هل التعيين الحكومي هو الحل؟ يمثل القطاع العام مصدرًا مهمًا للتشغيل في العراق، إلا أن الاعتماد عليه بوصفه المسار الرئيس لخريجي الجامعات ليس حلًا مستدامًا. فكل وظيفة حكومية جديدة ترتبط بنفقات رواتب وتقاعد والتزامات مالية طويلة الأمد تتحملها الموازنة العامة. وعندما لا يرتبط التوسع في التوظيف بزيادة مقابلة في الإنتاجية والخدمات، فإن الدولة تتحمل أعباء مالية إضافية دون أن يحصل الاقتصاد على عائد إنتاجي يتناسب معها. ولهذا فإن المشكلة الحقيقية ليست في التعيين ذاته، وإنما في أن يصبح التعيين هو السياسة الوحيدة لمعالجة البطالة. فالدولة الناجحة لا تُقاس فقط بعدد الوظائف التي توفرها مباشرة، بل بقدرتها على بناء اقتصاد يولّد فرص العمل تلقائيًا من خلال الصناعة والزراعة والخدمات والتكنولوجيا والاستثمار والمشروعات الصغيرة والمتوسطة. من سياسة توزيع الوظائف إلى سياسة خلق العمل تتطلب معالجة بطالة الخريجين في العراق انتقالًا من مفهوم «توزيع الوظائف» إلى مفهوم «خلق فرص العمل المنتجة». ويبدأ ذلك بإنشاء قاعدة بيانات وطنية تربط بين أعداد المقبولين في الجامعات والتخصصات ومعدلات التخرج وحجم الطلب المتوقع في سوق العمل. فمن غير المنطقي أن يستمر التوسع في تخصص معين لعشر سنوات إذا كان الاقتصاد لا يستطيع استيعاب إلا نسبة محدودة جدًا من خريجيه. كما ينبغي أن يصبح تحديد أعداد القبول الجامعي جزءًا من سياسة اقتصادية وطنية، لا قرارًا تعليميًا منفصلًا عن احتياجات التنمية. وتحتاج الجامعات العراقية كذلك إلى توسيع شراكاتها مع الوزارات والشركات والمصارف والقطاع الصناعي والقطاع الخاص، بحيث يتحول التدريب الميداني من إجراء شكلي إلى مرحلة حقيقية لإعداد الطالب للعمل. كما ينبغي الاهتمام بالتخصصات البينية الحديثة، مثل الاقتصاد الرقمي، وتحليل البيانات، ونظم المعلومات الجغرافية، والأمن السيبراني، والطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، وإدارة المشاريع، وغيرها من المجالات التي يمكن أن تفتح مسارات جديدة أمام الخريجين. الخريج رأس مال وليس رقمًا في قائمة تعيين إن أخطر ما في بطالة الخريجين أنها لا تمثل خسارة دخل للفرد وحده، بل تمثل هدرًا في رأس المال البشري للدولة. فالخريج الجامعي يمثل سنوات من التعليم والتدريب والاستثمار المالي والاجتماعي. وعندما يبقى هذا الخريج سنوات بلا عمل، أو يعمل في وظيفة لا تستثمر مهاراته، فإن جزءًا من هذا الاستثمار يفقد قيمته تدريجيًا. كما يمكن أن تؤدي البطالة الطويلة إلى تراجع المهارات، واتساع الهجرة، وضعف الثقة بالمؤسسات التعليمية، وزيادة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على الأسر. ولهذا فإن قضية خريجي الجامعات ليست ملفًا يخص وزارة التعليم العالي أو وزارة العمل وحدهما، وإنما قضية وطنية تتداخل فيها سياسات التعليم والتخطيط والمالية والاستثمار والقطاع الخاص والتنمية المحلية. ويمكن القول إن مشكلة البطالة في العراق ليست مجرد سؤال: كم عدد العاطلين؟ بل يجب أن تتحول إلى سؤال أكثر أهمية: إلى أي مدى يستثمر الاقتصاد العراقي قدرات مواطنيه وخريجي جامعاته بصورة منتجة؟ فالبطالة الصريحة تعني وجود خريج يبحث عن وظيفة ولا يجدها، والبطالة المقنّعة تعني وجود عمالة تفوق الحاجة الإنتاجية الفعلية، بينما يشير عدم توافق المؤهل مع الوظيفة إلى أن الإنسان قد يكون موظفًا، لكن قدراته العلمية لا تُستخدم على النحو الأمثل. ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام العراق لا يكمن في تحويل الخريج من خانة «عاطل» إلى خانة «موظف» فقط، وإنما في الانتقال به إلى خانة الإنسان المنتج. وعندما يصبح هدف السياسة الاقتصادية هو خلق العمل لا توزيع الوظائف، وربط التعليم باحتياجات التنمية لا بانتظار التعيين، يمكن عندها تحويل العدد الكبير من خريجي الجامعات من عبء على سوق العمل إلى واحدة من أهم قوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية في العراق. فالمشكلة ليست أن العراق يمتلك عددًا كبيرًا من الخريجين؛ المشكلة أن الاقتصاد لم ينجح بعد في استثمار هذه الثروة البشرية بالشكل الذي تستحقه. المصادر
1. الجهاز المركزي للإحصاء في العراق، وهيئة إحصاء إقليم كردستان، ومنظمة العمل الدولية (2022)، مسح القوى العاملة في العراق لسنة 2021، بغداد. يتضمن مؤشرات البطالة والعمالة الناقصة والاستخدام الناقص للعمل والشباب وسوق العمل. (منظمة العمل الدولية)
2. منظمة العمل الدولية (2022)، العراق ومنظمة العمل الدولية يطلقان أول مسح وطني للقوى العاملة منذ عقد، 5 تموز/يوليو 2022. (منظمة العمل الدولية)
3. وزارة التخطيط، جمهورية العراق (2024)، خطة التنمية الوطنية 2024–2028، بغداد، ولا سيما المحاور المتعلقة بالقوى العاملة، والقطاع الخاص، وتشغيل الشباب، والمشروعات الصغيرة والمتوسطة. (وزارة التخطيط)
4. وزارة التخطيط العراقية (2024)، خطة التنمية الوطنية للسنوات 2024–2028 وإجراءات دعم سوق العمل والقطاع الخاص. (وزارة التخطيط)
5. International Labour Organization (ILO) (2021),Survey Exposes Increased Frustration among Youth and Need for Private Sector Investments in Iraq, 24 March 2021. (منظمة العمل الدولية)
6. International Labour Organization (ILO) (2024),ILO and Ministry of Youth and Sport Launch Job Search Club National Programme in Iraq, 25 November 2024. (منظمة العمل الدولية)
7. International Labour Organization (ILO) (2026),Iraq Expands Nationwide Job Search Support to Address Youth Unemployment, 10 February 2026. (منظمة العمل الدولية) الجغرافية السياسية والعلاقات الدولية – العراق
Email: [email protected]











































