هناك لحظة تتحول فيها المجاملة السياسية إلى عبء، ويصبح الصمت عن اختلال ميزان المصالح نوعاً من التنازل عن الكرامة الوطنية.العراق يجد نفسه أمام هذه اللحظة اليوم. دولة حافظت، طوال سنوات، على خطاب سياسي داعم لإيران، وحرصت على عدم تحويل أراضيها إلى منصة لاستهدافها، فيما قاتلت فصائل عراقية إلى جانبها ودفعت ثمناً كبيراً في الصراعات الإقليمية. وفي المقابل، عندما اقتربت الأزمة من نفط العراق وشريان اقتصاده، وجد بغداد نفسها تبحث عن ترتيبات تضمن عبور ناقلاتها وتأمين صادراتها عبر مضيق هرمز. وهنا السؤال ليس: هل سُمح لنا بالعبور؟ بل: لماذا أصبح أمن صادرات العراق موضع تفاوض أصلاً؟ هرمز ليس مجرد ممر مائي على الخارطة؛ بالنسبة للعراق، هو طريق يرتبط بإيرادات النفط، وبالموازنة، والرواتب، والخدمات، واستقرار الدولة. إيران تعرف حجم العلاقة مع العراق. تعرف مواقف القوى السياسية المتحالفة معها، وتعرف أيضاً أن العراقيين فتحوا أبواب بلادهم أمام ملايين الزائرين الإيرانيين خلال المواسم الدينية، وقدّموا لهم الطعام والماء والمبيت والخدمة. وحين زار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي المدن المقدسة، حمله بعض العراقيين على الأكتاف ورفعت هتافات مؤيدة لإيران. لكن العلاقات الدولية لا تُقاس بالهتافات والصور وحدها. إذا كان العراق يُطلب منه أن يراعي أمن إيران ومصالحها، فمن حق العراق أن يسأل بصراحة: وماذا عن أمن العراق ومصالحه عندما تضيق به الخيارات؟ لا أحد يطلب من طهران أن تتخلى عن مصالحها، ولا أن تعمل charity لصالح العراق. لكن السياسة مصالح متبادلة، والتحالف الحقيقي لا يكون طريقاً باتجاه واحد. العراق ليس عمقاً استراتيجياً لأحد، ولا ورقة نفوذ، ولا ساحة مجانية للحلفاء. العراق دولة لها نفط واقتصاد وشعب وموازنة ومصالح يجب أن تُدار أولاً من بغداد. وإذا كانت إيران تتصرف وفق حساباتها الوطنية، فمن حق العراق أيضاً أن يتعلم الدرس نفسه: لا صداقات بلا مصالح متبادلة، ولا تحالفات بلا توازن، ولا وفاء سياسياً على حساب قوت العراقيين ومعيشتهم. المفارقة التي تؤلم العراقيين أن أبواب العراق ظلت مفتوحة في أوقات كثيرة، بينما عندما احتاج العراق إلى ضمانات تخص أحد أهم شرايين اقتصاده، وجد نفسه أمام مفاوضات وانتظار وحسابات.
العراق وقف مع إيران حين اشتدت عليها العواصف.. واليوم، حين وصل الاختناق إلى نفطه، يسأل: أين الحليف؟
آخر تحديث:











































