كشفت مصادر مطلعة على كواليس الحراك الفصائلي في العراق عن تطور لافت في ملف حصر السلاح بيد الدولة، تمثل بتسليم أحد الفصائل مجموعة من الأسلحة إلى الجهات الحكومية المختصة، بالتزامن مع مؤشرات على إمكانية إحراز تقدم في الحوار مع الفصائل الرافضة للتسليم.
وبحسب المصادر، فإن عصائب أهل الحق، التي سبق أن أبدت تأييدها لتوجه رئيس الوزراء علي فالح الزيدي بشأن حصر السلاح بيد الدولة، سلّمت قبل يومين أسلحة كانت موجودة في أحد مقراتها بناحية اليوسفية جنوبي بغداد.
وأوضحت أن الأسلحة تعود إلى اللواءين 41 و42 اللذين اندمجا مؤخراً ضمن هيئة الحشد الشعبي، ما يجعل عملية التسليم بمثابة استكمال لمرحلة انتقال السلاح إلى إطار المؤسسة الرسمية.
وشملت الأسلحة المسلّمة أقل من عشر مسيّرات محلية الصنع وأخرى إيرانية المنشأ، وجميعها كانت من دون ذخيرة، إلى جانب مجموعة من الأسلحة المتنوعة، فيما لم تتضمن العملية أي صواريخ.
وجرت عملية التسليم بحضور اللجنة الحكومية المشرفة على استلام أسلحة الفصائل، والتي تضم ممثلين عن وزارتي الدفاع والداخلية ومستشارية الأمن الوطني وهيئة الحشد الشعبي، مع توثيق العملية رسمياً.
وأكدت المصادر أن آلية التسليم الحالية لا تشمل الصواريخ التي يقل مداها عن 300 كيلومتر، فيما تتركز المطالبات الحكومية على الصواريخ التي تبلغ مدياتها 300 كيلومتر فأكثر.
رسائل إيجابية.. والملف يتحرك
وفي مؤشر قد يخفف من حدة المخاوف بشأن ملف السلاح، أكدت المصادر وصول إشارات إيجابية إلى اللجنة السياسية المعنية بالحوار مع الفصائل الرافضة للتسليم، مشيرة إلى أن المفاوضات تسير باتجاه احتواء الخلافات ومنع تحول الملف إلى مواجهة داخلية.
وبحسب المصادر، فإن حصر السلاح وإدارته داخل مؤسسات الدولة سيمضي بالتزامن مع الانسحاب النهائي للقوات الأميركية والأجنبية من العراق، باعتبار أن إنهاء الوجود العسكري الأجنبي يمثل أحد أبرز المطالب التي تتمسك بها الفصائل.
وترى المصادر أن اكتمال الانسحاب قد يشكل رسالة طمأنة للفصائل، ويفتح الباب أمام انتقال ملف السلاح من مرحلة التهديد والتصعيد إلى مرحلة إعادة التنظيم والإدارة ضمن إطار الدولة.
وفي الجانب الاقتصادي، أكدت المصادر عدم وجود اعتراض على الشراكة الاستثمارية والتجارية مع الولايات المتحدة، بما في ذلك دخول الشركات الأميركية لتنفيذ المشاريع، لكنها شددت على رفض أي وجود عسكري أو أمني أميركي تحت أي مسمى.
30 أيلول.. موعد اختبار حقيقي
ويأتي هذا التطور قبل الموعد الذي حددته القوى السياسية الرئيسية في العراق، في 30 أيلول/سبتمبر، سقفاً زمنياً للمضي في مشروع حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.
وكان ائتلاف إدارة الدولة قد أكد في اجتماعه مطلع آب ضرورة احتكار الدولة للسلاح، محذراً من التعامل مع أي نشاط مسلح خارج المؤسسات الرسمية بعد انتهاء المهلة باعتباره نشاطاً خارجاً عن القانون، مع التلويح بتطبيق قانون مكافحة الإرهاب على المخالفين.
وعلى وقع هذه التطورات، رفعت القوات الأمنية والعسكرية مستوى جاهزيتها في عدد من مناطق البلاد، فيما أُلغيت إجازات بعض القادة والآمرين، وبدأت الأجهزة الأمنية باتخاذ إجراءات احترازية تحسباً لأي احتكاك قد يتطور إلى مواجهة.
تهدئة سياسية.. وسلاح على طاولة التفاوض
وشهدت بغداد الأسبوع الماضي توتراً أمنياً على خلفية تهديدات فصائل مسلحة بالرد على السعودية، عقب ضربات استهدفت مواقع للحشد الشعبي، قبل أن تنجح اتصالات سياسية ولقاء فجر جمع رئيس الوزراء علي فالح الزيدي بزعيم منظمة بدر هادي العامري في احتواء التصعيد وفتح مسار للتهدئة والتحرك الدبلوماسي.
ودعا العامري لاحقاً فصائل «المقاومة الإسلامية» إلى تأجيل أي رد عسكري على السعودية وتقديم مصلحة العراق العليا، مع تأكيده في الوقت ذاته ضرورة بقاء الحشد الشعبي عند مستويات مرتفعة من الجاهزية.
ورغم هذه المؤشرات، لا تزال مواقف الفصائل من مشروع حصر السلاح متفاوتة؛ ففي الوقت الذي أبدت فيه قوى استعداداً لإعادة تنظيم علاقتها العسكرية والأمنية مع الدولة، ترفض فصائل أخرى، بينها كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء، التخلي عن قدراتها العسكرية، وتربط أي تفاوض بشأن السلاح بإنهاء الوجود الأجنبي وضمان قدرة الدولة على حماية العراق من الهجمات الخارجية.
وبذلك يتحول 30 أيلول إلى محطة مفصلية في المشهد العراقي؛ فبين سلاح بدأ يدخل مخازن الدولة، وفصائل ما تزال تضع شروطها، وحكومة تراهن على الحوار والانسحاب الأجنبي، يقترب العراق من اختبار حقيقي لمدى قدرته على إنهاء ازدواجية السلاح دون الانزلاق إلى صدام داخلي.











































