في العراق، قد لا يأتي الفساد دائماً عبر صفقة مكشوفة أو حقيبة أموال، بل قد يتسلل من بين أوراق الدولة نفسها؛ شهادة وفاة بلا جثمان، ملف يُمرر بختم رسمي، ورمز إلكتروني يتحول إلى بوابة لاستنزاف المال العام.
وفي واحد من أكثر الملفات حساسية، تكشف المعطيات المتداولة عن وجود 22,041 حالة تزوير في ملفات مؤسسة الشهداء، مع تقديرات تشير إلى هدر مالي يناهز 3.2 تريليون دينار حتى عام 2024، بينها نحو 1.3 تريليون دينار يُعزى إلى حالات تزوير.
الأرقام تفتح السؤال الأصعب: كيف تمكنت أسماء لا تستوفي شروط الاستحقاق من العبور إلى منظومة يفترض أنها صُممت لحماية حقوق الشهداء وذويهم؟
وتزداد خطورة الملف مع ما أُثير بشأن إدخال أسماء مرتبطة بجماعات خارجة عن القانون أو كيانات سياسية منحلة ضمن قوائم المستفيدين، الأمر الذي يحول القضية من مجرد فساد مالي إلى اعتداء على حقوق حقيقية وتشويه للملف الذي يفترض أن يصون تضحيات الضحايا وذاكرة عائلاتهم.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن عملية التدقيق الشاملة لم تصل إلى نهايتها، إذ لم تتجاوز نسبة الإنجاز نحو 40 بالمئة، فيما جرى إيقاف 27,400 ملف لحين استكمال عمليات الفحص والتدقيق.
ومن أكثر الوقائع إثارة للجدل ما يتعلق بشهادات وفاة صادرة في محافظة الأنبار من دون وجود جثامين، وسط حديث عن رصد نحو 20 ألف حالة من هذا النوع، فيما تشير بيانات أخرى متداولة إلى وجود 14,200 شخص صدرت لهم شهادات وفاة من دون العثور على جثامين.
ولا تتوقف الشبهات عند الأوراق الرسمية، إذ تتحدث المعطيات عن استغلال ما يعرف بـ”الباركود”، من خلال بيعه عبر بعض المعقبين، إلى جانب ثغرات في الإجراءات التقليدية داخل عدد من اللجان الفرعية، بما يتيح تمرير ملفات مشكوك في صحتها.
والأخطر ما يرد في إفادات منسوبة إلى مصادر خاصة، تتحدث عن احتمال حدوث عمليات تزوير بعلم أو بتواطؤ مسؤولين محليين مقابل مبالغ مالية كبيرة تُقتطع من استحقاقات يفترض أن تذهب إلى عائلات الشهداء، وهي ادعاءات تحتاج إلى تحقيقات قضائية وأدلة رسمية لحسمها.
وفي فصل آخر من الملف، تبرز شبهة مالية مرتبطة بعقار في منطقة الكرادة وسط بغداد، إذ تتحدث معلومات متداولة عن شراء مؤسسة الشهداء عقاراً بقيمة 18 مليار دينار، رغم أن تقديرات أخرى تضع قيمته الفعلية عند حدود 6 مليارات دينار، مع ادعاءات بوجود فارق يصل إلى 12 مليار دينار جرى توزيعه بين مسؤولين ومديرين.
وإذا صحت هذه المعطيات، فإن القضية لا تتعلق بثغرات إدارية عابرة، بل بمنظومة تستنزف المال العام عبر تزوير الهوية والوثيقة والاستحقاق، وتحول ملفاً أنشئ لحفظ حقوق الشهداء إلى مساحة مفتوحة للمتاجرة بالأسماء والحقوق.
ويبقى السؤال الأثقل أمام الدولة: كم من الملفات المزورة ما زال ينتظر التدقيق؟ وكم من الأموال خرجت تحت عناوين الشهداء من دون أن تصل إلى أصحابها الحقيقيين؟
فالتحقيق في هذا الملف لا ينبغي أن يتوقف عند كشف الأرقام، بل يجب أن يصل إلى من صنعها، ومن مررها، ومن استفاد منها.











































