تكليف علي الزيدي…الدولة العميقة إلى الواجهة
نصيف الخصاف
ولد المكلف بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة علي فالح كاظم الزيدي في بغداد عام 1978، وليس في عام (1986 كما يجري الترويج له في بعض المواقع)، فعند صدور مرسوم التكليف الرسمي في 27 نيسان/أبريل 2026، نشرت وكالة الأنباء العراقية الرسمية سيرة ذاتية موجزة للمكلف لتعريف الرأي العام به، وذكرت الورقة التعريفية أن “علي فالح الزيدي من مواليد بغداد عام 1978، حاصل على شهادة الدكتوراه في القانون العام”
وثمة ملاحظات حول المؤهلات العلمية التي تضمنتها السيرة الذاتية المنشورة، حيث ذُكر أنه يحمل الشهادات التالية:
بكالوريوس في القانون.
بكالوريوس في العلوم المالية والمصرفية.
ماجستير في العلوم المالية والمصرفية.
دكتوراه في القانون العام (بحسب بعض السير الذاتية المهنية) . والشهادة الأخيرة لا تتسق مع دراسته الأولية (بكالوريوس وماجستير في العلوم المالية والمصرفية) فأما أن يكون حاصل أيضاً على الماجستير في القانون العام بعد حصوله على البكالوريوس في القانون، ليحصل بعدها على الدكتوراه، أو ثمة خلل في نقل أو مصدر المعلومة.
قبل دخوله المعترك السياسي المباشر، بنى الزيدي مسيرة مهنية واسعة في القطاع الخاص، شملت قطاعات المصارف والتعليم والاستثمار، فقد شغل منصب رئيس مجلس إدارة مصرف الجنوب الإسلامي سابقاً. ورئيس مجلس إدارة الشركة الوطنية القابضة (التي تدير مجموعة من الاستثمارات المتنوعة). ورئيس مجلس إدارة جامعة الشعب، ورئيس مجلس إدارة معهد عشتار الطبي، ومعهد عقيل للتعليم الطبي. ارتبط اسمه بملكية مؤسسات إعلامية، من بينها إدارة قناة دجلة الفضائية .
أشارت بعض التقارير الصحفية إلى نفوذه الاقتصادي الواسع وحصول شركاته على عقود حكومية كبرى في قطاعات التجهيز الغذائي والخدمات اللوجستية قبل تكليفه. وتشير تقارير إستقصائية إلى ارتباط علي فالح الزيدي وعائلته (لاسيما والده فالح الزيدي وإخوته عقيل وعلاء) بشبكة اقتصادية معقدة تهيمن على مفاصل مالية وأمنية في العراق.
ركزت التقارير على دور عائلة الزيدي في القطاع المصرفي الخاص، وتحديداً من خلال مصرف الجنوب الإسلامي. حيث وصفت التقارير العائلة بأنها جزء من “الأوليغارشية” الجديدة في العراق التي استغلت غسيل الأموال ونافذة بيع العملة في البنك المركزي لبناء ثروات هائلة. وأشارت إلى أن المصارف التابعة للعائلة كانت تُستخدم كقنوات لتهريب العملة الصعبة إلى الخارج، والالتفاف على النظام المالي العالمي .
كما تُشير بعض التقارير إلى أن نفوذ علي الزيدي الاقتصادي ليس منفصلاً عن القوة العسكرية والسياسية لفصائل “الإطار التنسيقي”. حيث تُصنف التقارير عائلة الزيدي بأنها “الممول الاقتصادي” أو “الواجهة المالية” لكتل مرتبطة بـ الحشد الشعبي، وتحديداً الفصائل القريبة من طهران. ويُزعم أن شركات العائلة (الوطنية القابضة وعشتار) حصلت على عقود حصرية لتجهيز ألوية الحشد الشعبي بالمواد الغذائية والخدمات اللوجستية
وتُعد الشركة الوطنية القابضة (National Holding Group) والشركات التابعة لها (مثل شركة عشتار والشركة الوطنية للتجهيزات الغذائية) الذراع الاقتصادي الأقوى لعائلة الزيدي. وقد أثارت هذه العقود جدلاً واسعاً كونها تتركز في قطاعات سيادية وحيوية، وغالباً ما تُمنح عن طريق “الدعوات المباشرة” أو بقرارات استثنائية من مجلس الوزراء.
ويُعد عقد السلة الغذائية لصالح وزارة التجارة، الأضخم، حيث تتولى الشركة توريد وتوزيع مواد السلة الغذائية (الأرز، السكر، الزيت، البقوليات) لملايين العراقيين. وهو عقد تزيد قيمته التقديرية السنوية عن مليار ونصف دولار. واتُهمت الشركة بالاستفادة من أسعار تفضيلية للدولار من البنك المركزي لتغطية الاستيرادات، مع وجود شكاوى من جودة بعض المواد الموردة .
كما يمتلك الزيدي شركة “سن كويك”، إلى جانب شبكة “الهايبر ماركت” التي تتوسع في بغداد وعدد من المحافظات.
وثمة شركات أخرى مرتبطة بعلي الزيدي مثل “شركة الأويس” و شركة “الجنوب القابضة” وغيرها من الشركات التي حصلت على عقود لتوريد منتجات غذائية لصالح وزارة التجارة العراقية.
يقول مدير في وزارة التجارة رفض الإشارة إلى اسمه “يمكن القول إن علي الزيدي أحد الفاعلين الرئيسيين في سوق الغذاء في العراق”. ويضيف: “سأقول لك، قد تكون كل أنواع العصائر والأجباس من استيراد شركات علي الزيدي”
ونتيجة علاقات الشركة الوثيقة بهيئة الحشد الشعبي حصلت على عقد تجهيز الأرزاق (الطعام)، الملابس العسكرية، والوقود لألوية الحشد الشعبي، بالإضافة إلى عقود بناء وتأهيل المعسكرات. وهي عقود مفتوحة تُقدر بمئات الملايين من الدولارات سنوياً .
ومنحت الشركة (عبر تحالف شركات تكنولوجية تابعة لها) حق إدارة الجباية الإلكترونية لأجور الكهرباء في مناطق حيوية ببغداد والمحافظات الوسطى. حيث تحصل الشركة على نسبة مئوية من كل فاتورة تُسدد، مما يضمن تدفقاً نقدياً مستمراً بالعملة المحلية .
وحصلت مجموعة عشتار وشركات التجهيزات الطبية التابعة للزيدي. على عقد تجهيز المستشفيات الحكومية بالأجهزة الطبية المتطورة (MRI, CT Scan) وعقود صيانة طويلة الأمد، بالإضافة إلى توريد الأدوية السرطانية .
كشفت وثائق رسمية استندت إليها تقارير إعلامية في أغسطس 2022، تورط مسؤولين رفيعين في قضية “بوابة عشتار”، أبرزهم وزير المالية السابق إحسان عبد الجبار، ومدير مصرف الرافدين عبد الحسن جمال، حول توقيع ملحق عقد تضمن شرطاً جزائياً بقيمة 600 مليون دولار. ووفقاً لـ”السومرية نيوز” (14 أغسطس 2022) وصحيفة “المدى” (9 أغسطس 2022)، حققت هيئة النزاهة في تمرير هذا العقد مع علي فالح الزيدي، الممثل عن شركة بوابة عشتار، قبل نهاية حكومة مصطفى الكاظمي.
نشرت وكالة الأنباء الرسمية والمنصات القضائية تفاصيل الحكم الذي ألزم مصرف الرافدين بدفع تعويض ضخم لشركة بوابة عشتار نتيجة فسخ العقد من طرف واحد. حيث ألزم القضاء العراقي مصرف الرافدين الحكومي بدفع 600 مليون دولار لشركة “بوابة عشتار” للنظم وخدمات الدفع الإلكتروني كشرط جزائي لعدم تطبيق عقد سابق بين الطرفين .
ووفقاً للتحقيقات التي أجرتها هيئة النزاهة الاتحادية ولجنة تقصي الحقائق البرلمانية، تضمن المحضر أسماء كل من علي فالح الزيدي بصفته المدير المفوض لشركة “بوابة عشتار للنظم والخدمات الإلكترونية”، والموقع على العقد. وعبد الحسن جمال: مدير مصرف الرافدين (سابقاً)، الذي وقع العقد مع الشركة ووُجهت إليه اتهامات بتمرير بنود تتضمن شرطاً جزائياً “مجحفاً” بحق الدولة. وإحسان عبد الجبار وزير المالية بالوكالة (آنذاك)، الذي قرر إلغاء العقد ما أدى إلى تفعيل الشرط الجزائي، وقد خضع للمساءلة حول “لماذا تم الفسخ بدلاً من التعديل؟”
وأبرز ما جاء في محضر التحقيق أنّ العقد تضمن بنداً ينص على أنه في حال قيام المصرف بفسخ العقد قبل التنفيذ، يلتزم بدفع مبلغ 600 مليون دولار كتعويض للشركة، وهو مبلغ يتجاوز رأس مال الشركة بمئات الأضعاف في حينها.
انتهت القضية “مالياً” بتنازل الشركة عن الـ 600 مليون دولار، لكنها ظلت “سياسياً” وصمة لاحقت الأسماء المرتبطة بها.
وبحصولها على أراضٍ حكومية مميزة بأسعار رمزية تحت غطاء الاستثمار. حصلت الشركة الوطنية القابضة على إجازة استثمارية لبناء مجمع سكني على أراضٍ كانت تابعة لوزارة الدفاع أو المالية في مناطق بجانب الكرخ .
كما ارتبط اسم علي الزيدي بشركات أمنية وتقنية توفر أنظمة رقابة لوزارة الداخلية العراقية، مما منحه نفوذاً أمنياً يتجاوز كونه رجل أعمال. مع ذلك فإنّ اسم “علي فالح الزيدي” غير مدرج بشكل مباشر وصريح على قائمة العقوبات (SDN List) الصادرة عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) في وزارة الخزانة الأمريكية. لكن مصرف الجنوب الإسلامي خضع إلى تدقيق مشدد من قبل الخزانة الأمريكية والبنك الفيدرالي في عام 2024 ضمن قائمة الـ 28 مصرفاً التي مُنعت من التعامل بالدولار بتهمة “تهريب العملة لصالح جهات خاضعة للعقوبات”.
تُشير تقارير إلى أن واشنطن تضع “فيتو” غير معلن على الشخصيات المرتبطة اقتصادياً بالفصائل، ما جعل تكليفه برئاسة الوزراء يثير قلقاً في دوائر الخارجية الأمريكية. لأنه يُنظر إلى صعوده كدليل على وصول “الدولة العميقة” (Deep State) في العراق إلى مرحلة النضج، حيث لم تعد تكتفي بالتحكم من خلف الستار، بل تدفع بواجهاتها المالية المباشرة إلى هرم السلطة.
من هو علي الزيدي رئيس الوزراء الجديد
آخر تحديث:





































