الزيدي.. والمحطة الإيرانية!!

الزيدي.. والمحطة الإيرانية!!
آخر تحديث:
مازن صاحب
أخطأ كثير من الآباء المؤسسين للعملية السياسية في قراءة بوصلة المصالح، وهم يحاولون التوازن بين القطار الأمريكي السريع وحاكمية ولاية الفقيه الإيرانية في العراق. ولم يكن الخطأ في تقدير موازين القوى وحدها، بل في الاعتقاد بإمكان الجمع بين مشروعين يتنازعان النفوذ ، فيما يدفع العراق وحده كلفة هذا الاشتباك. أول هذه الأخطاء، أن القيادات  التي عاشت في إيران أيام المعارضة كانت على اطلاع كامل بطبيعة النموذج الذي تطبقه الجمهورية الإسلامية، حتى على أولئك الذين قاتلوا إلى جانب الحرس الثوري في الحرب العراقية الإيرانية. وما زالت تصريحات شخصيات معروفة تروي تفاصيل الإذلال والإهانة التي شكلت أساس العلاقة معهم، بما يكشف أن منطق المصالح كان يتقدم دائما على شعارات العقيدة. ثاني هذه الأخطاء، تسويق فكرة الوساطة العراقية لحل الخلافات بين واشنطن وطهران، في وقت نجح فيه الحرس الثوري الإيراني في صناعة كثير من أمراء الإقطاع السياسي الجديد، وفرض معادلة مصالح الفصائل الحزبية المسلحة،  تتباهى بحاكمية ولاية الفقيه الإيرانية على قرار الحرب والسلام عراقيا، لتصبح الوساطة أقرب إلى أمنية سياسية منها إلى مشروع قابل للتطبيق!! . ثالث هذه الأخطاء، انخراط شرائح اجتماعية ونخب وكفاءات عراقية في “جهاد التبيين” بوصفه أحد عناوين حاكمية ولاية الفقيه  في مواجهة التحالف الصهيوني الأمريكي الإسرائيلي، فيما أثبتت الوقائع المتعاقبة أن سيطرة الفيدرالي الأمريكي على موارد النفط لا تقل خطورة عن احتلال الدبابات الأمريكية للتراب العراقي، لأن الهيمنة على الثروة أكثر دواما من السيطرة على الأرض.
رابع هذه الأخطاء، أن مجرد تغريدة للرئيس ترامب أعادت رسم خارطة التحالفات داخل الإطار التنسيقي، وقدمت السيد الزيدي مرشح تسوية بدلا من السيد المالكي، بما يؤكد أن قيادات الإطار تعترف، عمليا، بالهيمنة الأمريكية شبه المطلقة على القرار العراقي، بمن فيهم أولئك الذين عملوا طويلا تحت عنوان حاكمية ولاية الفقيه الإيرانية.!! في ضوء هذه المتغيرات، كيف يمكن النظر إلى زيارة السيد الزيدي المقررة إلى طهران؟ أولا: هناك من يروج أن الزيدي يحمل مشروعا لوساطة عراقية بين واشنطن وطهران، في تكرار فج لكل ما سبق أن فشلت فيه الفصائل الحزبية المسلحة، وهي تحاول أن تضع قدما في الخندق الإيراني، ويدا تمتد إلى الدولار الأمريكي. ولعل أبرز معالم هذه المعادلة منع الدولار النفطي العراقي من الوصول إلى الحرس الثوري الإيراني الخاضع للعقوبات الأمريكية. فهل يحمل الزيدي نموذجا جديدا لاختبار المرحلة المقبلة؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه إعادة إنتاج لمحاولات سابقة؟ الجواب لن تصنعه التصريحات، بل ستكشفه تطبيقات ما بعد زيارة طهران. ثانيا: الجديد في زيارة السيد الزيدي أنها تأتي بعد توقيع شراكات اقتصادية استراتيجية مع كبريات الشركات الأمريكية، والجميع يدرك أن هذه الشركات لا تبدأ تنفيذ مشاريعها في العراق من دون بيئة سياسية وأمنية تسمح بذلك.
لذلك، فإن ما سيطرح في مواقع التواصل الاجتماعي التابعة لأحزاب مفاسد المحاصصة وأمراء الإقطاع السياسي الجديد لن يتجاوز سرديات معتادة عن أواصر العلاقات الدينية والسياسية بين بغداد وطهران، فيما تكمن الحقيقة في استحصال التفاهمات اللازمة لفك الاشتباك بين الفصائل الحزبية المسلحة المرتبطة بحاكمية ولاية الفقيه الإيرانية، وبين مشروع يرفع شعار “العراق أولا”، وشتان بين المشروعين. ثالثا: على الرغم من كلما يقال عن حصر السلاح بيد الدولة، فإن الوقائع المقبلة قد تشير إلى انتقال السلاح من يد ترتبط مباشرة بحاكمية ولاية الفقيه  والحرس الثوري ، إلى قرار شخصيات تنتمي إلى الفصائل نفسها، لكنها أصبحت اليوم جزءا من المؤسسة السياسية والبرلمانية، وتشغل مواقع مؤثرة داخل الأجهزة الأمنية العراقية. هذا التسكين (لتقاذف الكرة بين المرمى الأمريكي والإيراني) قد يمنح حكومة الزيدي مساحة لالتقاط الأنفاس واستيعاب الفرص التي أتاحتها الاتفاقيات الثماني والأربعون مع الشركات الأمريكية، لكنه لا يعني انتهاء نفوذ حاكمية ولاية الفقيه ، ولا توقف قدرتها على إعادة توظيف الخبرات والقدرات بما يخدم منظومة الحرس الثوري الإيراني. كلما تقدم  يؤكد ان عراق اليوم والغد يحاول التوازن بين ثابت النفوذ الإيراني ومتحول الإرادة الأمريكية، فيما يسعى كل طرف إلى توظيف العراق ضمن استراتيجيته في إدارة الصراع الدائم مع الطرف الآخر. أما النتائج الفضلى، فلن تتجاوز، في أفضل الأحوال، مرحلة تسكين آلام عض الأصابع بين واشنطن وطهران، عبر خطوات قد تبدأ بحصر السلاح، وقد تنتهي بسقوط بعض فواعل الفساد السياسي، من دون أن تمس البنية  الأساسية لحاكمية ولاية الفقيه الإيرانية التي أعادت إنتاجها طوال العقدين الماضيين في المقابل، ستولد جماعات جديدة بعناوين مختلفة، وستتجدد الفصائل الحزبية المسلحة بأسماء وشعارات براقة أخرى، لتعيد توزيع أدوار مفاسد المحاصصة داخل الأبواب الدوارة  التي أنجبت أمراء المكونات، لا دولة المواطنة الفاعلة. لذلك، فإن المحطة الإيرانية للزيدي ليست نهاية الطريق، بل اختبار جديد لبوصلة عراق واحد وطن الجميع . فإما أن تتجه نحو دولة تصنع قرارها الوطني المستقل، وإما أن تبقى تدور بين ثبات النفوذ الإيراني ومتحولات الإرادة الأمريكية. ذلك هو السؤال الذي ستجيب عنه الوقائع، لا البيانات، وستحسمه التطبيقات، لا الشعارات… ويبقى من القول: لله في خلقه شؤون.!!

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *