هلْ أصبحَ التقاعد الوظيفيّ عقوبة؟ بينَ ثقافةِ إقصاءِ الخبرةِ وتجاربِ الأممِ في صناعةِ المعرفةِ

هلْ أصبحَ التقاعد الوظيفيّ عقوبة؟ بينَ ثقافةِ إقصاءِ الخبرةِ وتجاربِ الأممِ في صناعةِ المعرفةِ
آخر تحديث:
محمد خضير الانباري

في المجتمعاتِ التي تحترمُ الإنسان، لا يكونُ التقاعدُ نهايةَ العطاء، بلْ بدايةَ مرحلةٍ جديدةٍ منْ توظيفِ الخبرة. أما في بعضِ مجتمعاتنا، فقدْ تحول التقاعدِ – في نظرِ البعضِ – إلى شهادةٍ بانتهاءِ الصلاحية، وكأنَ العقلَ يشيخُ بالقرارِ الإداري، لا بقدرتهِ على التفكيرِ والإنتاج. منْ المؤسفِ، أنَ هذهِ النظرة، لمْ تعدْ مقتصرةً على بعضِ المؤسسات، بلْ امتدتْ إلى الخطابِ الاجتماعي، حيثُ يهاجمُ المتقاعد، ولا سيما الأستاذ الجامعي، وأصحاب الشهاداتِ العليا، بحجةِ أنهُ ينافسُ الشبابَ في فرصِ العمل، أوْ أنهُ يحرمهمْ منْ وظائفَ همْ أولى بها، وهيَ مقولةٌ تبدو عادلة في ظاهرها، لكنها تخفي وراءها قراءة سطحية لمشكلةٍ أعقدَ بكثير. إنَ أزمةَ البطالة، ليستْ نتيجةَ وجودِ أستاذٍ جامعيٍ متقاعدٍ يعملُ مستشارا أوْ محاضرا في جامعةٍ أهلية، وليستْ بسببِ باحثٍ يواصلُ إنتاجه العلميّ بعدَ عقودٍ منْ الخدمة، وإنما هيَ نتيجةُ اختلالاتٍ اقتصاديةٍ وهيكلية، وضعف الاستثمار، وسوء التخطيطِ لسوقِ العمل، وعدمِ المواءمةِ بينَ مخرجاتِ التعليمِ واحتياجاتِ التنمية، ومنْ غيرِ المنصف أنْ تتحولَ الخبرةُ إلى المتهمِ الأسهلِ كلما عجزنا عنْ معالجةِ الأسبابِ الحقيقية. أن السؤالَ الأهمَ هو: كيفَ تتعاملُ الدولُ المتقدمةُ معَ هذهِ الفئة؟ في أوروبا والولاياتِ المتحدة، لا ينظرُ إلى الأستاذِ الجامعيِ بعدَ التقاعدِ بوصفهِ موظفا انتهتْ مهمته، بلْ باعتبارهِ ذاكرةٍ علميةٍ ومخزونا معرفيا، ولهذا تحتفظُ الجامعاتُ بكثيرٍ منْ أساتذتها تحتَ مسمياتٍ مختلفة، مثلَ الأستاذِ الفخري، أوْ الأستاذِ المتفرغ، أوْ المستشارِ الأكاديمي، ويستمرُ هؤلاءِ في الإشرافِ على رسائلِ الدراساتِ العليا، وإجراءِ البحوث، والمشاركةِ في المؤتمرات، وتقديمِ الاستشارات، والإسهامِ في تطويرِ المناهجِ والسياساتِ الجامعية، وليسَ الأمرُ مقتصرا على الجامعات؛ فالشركاتُ الكبرى، ومراكزُ البحوث، والمؤسساتِ الحكومية، تعتمدُ على الخبراءِ المتقاعدينَ في مجالسها الاستشارية، لأنَ الحكمةَ المؤسسيةَ لا تكتسبُ في أشهر أوْ سنوات قليلة، بلْ تتراكمُ عبرَ عقودٍ منْ العملِ والتجربة. لقدْ أدركتْ تلكَ الدول، أنَ المعرفةَ لا تورثُ تلقائيا، وأنَ الخبرةَ إذا لمْ تنقلْ إلى الجيلِ الجديد، فإنها تضيعُ بخروجِ أصحابها منْ الميدان، لذلكَ جعلتْ منْ التقاعدِ انتقالاً منْ وظيفةٍ تنفيذيةٍ إلى دورٍ فكريٍ واستشاريٍ وتدريبي، حفاظا على رأسِ المالِ البشريِ الذي أنفقتْ عليهِ الدولة سنوات طويلة.أما في بعضِ الدولِ النامية، ومنها دولتنا، فنخاطرُ بخسارةِ هذا الرصيد، فبدلَ أنْ نهيئَ برامجَ لنقلِ الخبرةِ إلى الشباب، ينشغلُ بعضنا بإثارةِ صراعٍ وهميٍ بينَ جيلين، وكأنَ نجاحَ أحدهما لا يتحققُ إلا بإقصاءِ الآخر، فالحقيقةُ أنَ الشبابَ ليسوا خصوما للمتقاعدين، كما أنَ المتقاعدينَ ليسوا عائقا أمامَ طموحاتِ الشباب  إنَ الخبرةَ لا تلغي الحماس، والحماس لا يغني عنْ الخبرة، إنهما جناحانِ لأيِ مؤسسةٍ ناجحة؛ أحدهما يحملُ ذاكرةْ التجربة، والآخرِ يحملُ روح التجديد، ولا يمكنُ إغفالُ جانبٍ أخلاقيٍ في هذهِ القضية، فالمجتمعُ الذي يستهلكُ خبرات أبنائهِ أربعينَ عاما، ثمَ يطالبهمْ بالصمتِ والعزلةِ بمجردِ بلوغِ سنِ التقاعد، يبعثُ برسالةٍ سلبيةٍ إلى كلِ الأجيال: إنَ الوفاءَ للعطاءِ ليسَ قيمةً راسخة، وأنَ العمرَ أهمُ منْ الكفاءة بينما المجتمعاتُ المتقدمةُ، تجعلُ معيارها بسيطا وواضحا: ما دامَ الإنسانُ قادرا على الإنتاج، فالمجالُ مفتوح أمامه، ولا يعني هذا أنْ يحتكرَ المتقاعدُ الوظائف، أوْ أنْ يحرمَ الشباب منْ فرصهم، فذلكَ لا ينسجمُ معَ العدالة، ولا معَ التنمية. المطلوبُ هوَ تحقيقُ التوازن؛ أنْ تفتحَ الأبواب أمامَ الشباب- وفي الوقتِ نفسه- تستثمرُ خبراتِ المتقاعدينَ في مواقعِ تناسبِ مكانتهمْ العلمية، كالإشراف، والتدريب، والاستشارات، والبحثِ العلمي، وبناءِ القدرات، وهيَ مجالاتٌ يحتاجها المجتمعُ أكثرَ منْ أيِ وقتٍ مضى. إنَ الأممَ لا تقاسُ بعددِ جامعاتها أوْ أبنيتها الحديثة، بلْ بقدرتها على احترامِ العقلِ الإنسانيِ في كلِ مراحلهِ العمرية، فالتقدمُ ليسَ مشروع شبابٍ وحدهم، ولا هوَ حكر على أصحابِ الخبرةِ وحدهم، بلْ هوَ ثمرةْ شراكةٍ بينَ جيلٍ يملكُ الطاقة، وجيل يملكُ الحكمة. ويبقى السؤالُ الذي ينبغي أنْ يؤرقَ صانعو القرارِ والرأيِ العامِ معا: هلْ نريدُ أنْ نكونَ مجتمعاتٍ تستثمرُ في الإنسانِ حتى آخرِ يومٍ منْ عطائه، كما تفعلُ الدول المتقدمة؟ أمْ مجتمعات تهدرُ خبراتها بأيديها، ثمَ تشتكي منْ نقصِ الكفاءات؟  إنَ التقاعدَ الوظيفي، يجبُ أنْ يكونَ نهايةْ الخدمةِ الوظيفية، لا نهايةَ الرسالةِ العلمية، ولا نهايةَ الدورِ الوطني. فالعقولُ الكبيرةُ لا تحالُ إلى التقاعد، وإنما تظلُ منارات تهدي الأجيال، ما دامتْ قادرةً على التفكيرِ والإبداعِ والعطاء.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *