الزيدي والدولار.. ماذا يفعلون بالعراق

الزيدي والدولار.. ماذا يفعلون بالعراق
آخر تحديث:

في العراق لم يعد الدولار مجرد ورقة نقدية تتغير قيمتها في السوق بل أصبح عنواناً لأزمة أعمق من سعر الصرف نفسه. أصبح رقماً يدخل إلى كل بيت ويطرق باب كل عائلة ويعيد حسابات الموظف والمتقاعد والعامل والتاجر وصاحب الدخل المحدود.
كلما تحرك الدولار تحركت معه الأسعار وكلما ارتفع بدأ المواطن يحسب من جديد ماذا سأشتري ماذا سأترك وكيف سأكمل بقية الشهر.
لكن السؤال الذي يجب أن يقال بصوت عالٍ هو إلى متى يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف في كل معادلة اقتصادية.
رفع سعر الدولار ليس رقماً معلقاً على شاشة البنك المركزي ولا قراراً يمكن أن يمر على المواطن من دون أثر. إنه قرار يمس القدرة الشرائية ويضغط على الأسواق ويزيد القلق لدى العائلات التي تعيش أصلاً تحت أعباء اقتصادية متراكمة.
وإذا كانت الدولة تتحدث عن الإصلاح فمن حق المواطن أن يسأل أين يبدأ الإصلاح ومن يدفع ثمنه.
هل يبدأ الإصلاح من جيب المواطن
هل يبدأ من راتب الموظف الذي لم يرتفع بالقدر الذي ترتفع فيه الأسعار؟
هل يبدأ من المتقاعد الذي ينتظر راتبه شهراً بعد شهر
هل يبدأ من العائلة التي تذهب إلى السوق فتجد أن السلعة التي كانت تشتريها بسعر معين أصبحت بسعر آخر.
إذا كان هذا هو الطريق إلى الإصلاح فالمواطن يريد أن يعرف أين هو الجزء الآخر من المعادلة.
أين تخفيض الهدر؟ اين ضبط الإنفاق واين محاسبة الفساد الا جزء بسيط منهم من حاسبتهم اين ايقاف المشاريع المتلكئة أين معالجة الاقتصاد الريعي اين دععم المنتج المحلي. أين الصناعة التي يمكن أن تقلل الاستيراد؟
أين الزراعة التي يمكن أن توفر الغذاء؟
وأين الخطة التي تجعل العراق أقل اعتماداً على الدولار.
لأن أسهل شيء في الإصلاح هو أن يُطلب من المواطن أن يتحمل.
الأصعب هو أن تبدأ الدولة من داخل مؤسساتها وتراجع إنفاقها وتكشف مكامن الهدر وتواجه الفساد وتضع المال العام تحت رقابة حقيقية.
المواطن لا يريد أن يسمع فقط أن الاحتياطيات قوية وأن الوضع المالي تحت السيطرة.
يريد أن يرى هذا الاستقرار في السوق.
يريد أن يشعر به عندما يشتري الطعام والدواء.
يريد أن يلمسه في راتبه.
ويريد أن يعرف لماذا يتحمل المواطن نتائج أي أزمة اقتصادية بينما لا يرى دائماً نتائج الإصلاحات التي يُقال إنها اتخذت من أجله.
حكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي تواجه اليوم اختباراً اقتصادياً وسياسياً صعباً خصوصاً مع الحديث عن الإصلاح المالي وسعر الصرف وتأمين تدفقات الدولار والعجز المالي والتحديات التي تفرضها الظروف الإقليمية.
لكن الحكومة لا تستطيع أن تطلب من المواطن الصبر إلى ما لا نهاية الصبر له حدود والقدره على التحمل لها
حدود والراتب مهما كان رقماً ثابتاً على الورق فإنه يتآكل عندما ترتفع الأسعار من حوله.
والمشكلة الأكبر أن المواطن العراقي أصبح يعرف هذه اللعبة جيداً.
عندما يرتفع الدولار ترتفع الأسعار بسرعة.
وعندما ينخفض لا تعود الأسعار بالسرعة نفسها.
فمن يراقب هذه الأسواق؟
ومن يحاسب من يستغل سعر الصرف لرفع الأسعار بصورة مبالغ فيها؟
ومن يحمي المواطن من المضاربة والاحتكار؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً.
إنها صميم مسؤولية الدولة.
لا يمكن أن نقول للمواطن إن السوق حر ثم نتركه وحيداً أمام سوق قد يستغل أي تغير اقتصادي لرفع الأسعار.
ولا يمكن أن نتحدث عن الإصلاح وننسى أن المواطن هو أول من يشعر بالألم وآخر من يرى النتائج.
العراق يمتلك النفط ويمتلك موارد طبيعية هائلة ويمتلك موقعاً جغرافياً مهماً، ويمتلك ملايين الشباب والطاقات والخبرات.
لكن السؤال المؤلم هو: لماذا ما زال اقتصادنا بهذه الهشاشة أمام الدولار؟
لماذا لا يكون لدينا إنتاج محلي قادر على حماية السوق؟
لماذا لا تكون لدينا صناعة حقيقية؟
لماذا ما زالت فاتورة الاستيراد بهذه الضخامة؟
ولماذا يبقى النفط هو المنقذ الأول والأخير عندما تضيق الخيارات؟
هذه ليست مسؤولية المواطن.
المواطن لم يضع هذه السياسات.
المواطن لم يبنِ اقتصاداً يعتمد على النفط.
المواطن لم يقرر حجم الإنفاق العام.
المواطن لم يضع آليات الاستيراد.
المواطن لم يصنع أبواب الهدر.
ومع ذلك، عندما تأتي الأزمة يُطلب منه أن يدفع.
وهنا تحديداً يجب أن يكون اللوم واضحاً الإصلاح الذي لا يبدأ من أعلى الهرم ثم تصل نتائجه إلى المواطن قد يتحول من إصلاح إلى عبء إضافي على الناس.
العراق لا يحتاج إلى إدارة الأزمات فقط.
يحتاج إلى منع أسباب الأزمات.
لا يحتاج إلى حلول مؤقتة كلما ارتفع الدولار.
بل يحتاج إلى اقتصاد يستطيع الوقوف عندما يهتز النفط وعندما تضطرب المنطقة وعندما تتغير الأسواق العالمية.
أما الاستمرار في الاعتماد على النفط ثم انتظار الدولار ثم مراقبة الأسعار، ثم مطالبة المواطن بالتحمل فهي دائرة لا يمكن أن تستمر إلى الأبد.
وإذا كانت هناك موازنة تواجه عجزاً كبيراً فالسؤال ليس فقط من أين سنأتي بالأموال؟
السؤال الأهم أين تذهب الأموال الموجودة أصلاً؟
قبل أن نطلب المزيد من المواطن يجب أن نسأل عن المال العام.
قبل أن نطلب منه دفع كلفة الإصلاح يجب أن نسأل عن حجم الهدر.
قبل أن نتحدث عن رفع الإيرادات يجب أن نتحدث عن حماية الإيرادات الموجودة.
وقبل أن نرفع شعار مكافحة الفساد يجب أن يشعر المواطن أن هناك نتائج حقيقية لهذه المواجهة.
لأن المواطن العراقي لم يعد يريد شعارات.
يريد نتيجة.
يريد دولة عندما ترتفع الأسعار تعرف لماذا ارتفعت، وعندما يرتفع الدولار تعرف كيف تحمي السوق وعندما تظهر أزمة تعرف كيف تعالجها وعندما يكتشف فساد تعرف كيف تحاسب المسؤول عنه وفق القانون.
المشكلة ليست في الدولار وحده.
المشكلة في اقتصاد جعل الدولار قادراً على الدخول إلى كل تفاصيل حياة العراقيين.
وهذه هي النقطة التي يجب أن تتوقف عندها الحكومة والمؤسسات الاقتصادية طويلاً.
كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟
وكيف سنخرج منها؟
ومن سيدفع ثمن الخروج؟
إذا كان المطلوب أن يتحمل المواطن وحده فهذه ليست عدالة اقتصادية.
وإذا كان المطلوب أن يتحمل الجميع، فيجب أن يكون الجميع داخل المعادلة كلٌ بحسب مسؤوليته وقدرته.
فلا يمكن أن يكون المواطن أول من يدفع وآخر من يستفيد.
ولا يمكن أن تبقى الطبقات محدودة الدخل هي خط الدفاع الأول في كل أزمة.
العراق لا يحتاج إلى اقتصاد يجعل المواطن يخاف من شاشة أسعار الدولار.
العراق يحتاج إلى اقتصاد يجعل المواطن مطمئناً إلى راتبه وإلى سوقه وإلى مستقبله.
وفي النهاية هناك سؤال لا يمكن الهروب منه:
إذا كان الدولار يرتفع والأسعار ترتفع والعجز يرتفع والاعتماد على النفط مستمر فمن الذي ينخفض.
إنه دخل المواطن. انها قدرته الشرائية
إنها ثقة الناس بأن الغد سيكون أفضل.
وهنا لا بد أن يكون الكلام واضحاً:
لا تجعلوا المواطن هو فاتورة الإصلاح.
حاربوا الهدر قبل أن تطلبوا منه التحمل.
واجهوا الفساد قبل أن ترفعوا كلفة المعيشة عليه.
دعموا الإنتاج قبل أن تطلبوا منه مقاومة الاستيراد.
راقبوا الأسواق قبل أن تتركوه وحيداً أمام الأسعار.
وابنوا اقتصاداً لا يكون فيه الدولار سيد المشهد في كل مرة.
فالعراق ليس فقيراً لكن سوء إدارة الموارد يمكن أن يجعل المواطن يشعر بالفقر وسط بلد غني.
وهذه هي المفارقة التي يجب أن تنتهي.
المواطن لا يريد معجزة.
ولا يريد أن يعيش على الوعود.
يريد راتباً يحفظ كرامته وسوقاً عادلاً ودولة تحميه، واقتصاداً لا ينهار مع كل هزة.
أما السؤال الذي يجب أن يبقى أمام الحكومة والمؤسسات الاقتصادية من يدفع ثمن الدولار
وإذا كان المواطن هو من يدفع دائماً…
فمن يتحمل مسؤولية الطريق الذي أوصلنا إلى هنا؟
والأهم من كل ذلك إلى أين يأخذنا هذا الطريق؟

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *