القسم بين هيبة الدولة وروتين الولايات

القسم بين هيبة الدولة وروتين الولايات
آخر تحديث:

في الدول التي تحترم مؤسساتها لا يكون القسم مجرد كلمات تُردد أمام الكاميرات ولا مشهداً بروتوكولياً يُعاد مع كل تغيير حكومي أو بداية ولاية جديدة بل هو عهدٌ ثقيل ومسؤولية لا تسقط بانتهاء المناصب ولا تتبدل بتبدل الحكومات.
لكن ما يثير التساؤل اليوم مع الحديث عن تردد بعض كبار المسؤولين والضباط في مكتب القائد العام للقوات المسلحة في أداء يمين القسم. هل نحن أمام إجراء إداري يحتاج إلى توضيح أم أمام ظاهرة سياسية تتكرر كلما تغيرت الولاية وتبدلت موازين النفوذ؟
إن القسم حين يتعلق بمؤسسة أمنية وعسكرية بهذا الحجم لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه مجاملة لشخص أو إعلان ولاء لمنصب، بل هو إعلان التزام بالدستور والقانون والدولة العراقية وبحماية أمن المواطن وسيادة الوطن.
فالقائد العام للقوات المسلحة أياً كان من يشغل هذا الموقع يمثل موقعاً دستورياً والمنصب باقٍ والأشخاص يتغيرون. ومن هنا يجب أن يكون الولاء للعراق ومؤسساته الدستورية لا للأسماء ولا للكتل السياسية ولا للمصالح الضيقة.
والسؤال الأكثر أهمية لماذا يعود موضوع القسم إلى الواجهة مع كل مرحلة سياسية جديدة وهل أصبح بعض المسؤولين يتعاملون مع مواقعهم بوصفها استحقاقاً سياسياً قابلاً للتجديد، أم أن هناك ضوابط مؤسسية واضحة تحكم أداء الواجبات وتحدد طبيعة الالتزام.
إن المؤسسة العسكرية والأمنية ليست ساحة لتصفية الحسابات السياسية ولا ينبغي أن تتحول مواقعها إلى مراكز نفوذ تتبدل فيها معايير الولاء بتبدل الحكومات. فالضابط الذي يحمل رتبة عسكرية يحمل معها تاريخاً من الانضباط والتضحية والمسؤول الذي يتولى موقعاً في الدولة يحمل أمانة الشعب، وكلاهما مطالب بأن يضع مصلحة العراق فوق كل اعتبار.
وإذا كان هناك قسم جديد يُطلب من المسؤولين والضباط فمن حق الرأي العام أن يعرف طبيعته وسنده القانوني والغاية منه، وهل هو إجراء تنظيمي ثابت أم توجيه يرتبط بمرحلة سياسية معينة؟
لسنا ضد تجديد العهد للدولة بل نؤمن أن العهد الحقيقي يجب أن يتجدد كل يوم من خلال النزاهة والانضباط وحماية المال العام وصون كرامة المواطن لا بمجرد الوقوف أمام منصة وترديد كلمات قد تنتهي بانتهاء المراسم.
إن هيبة الدولة لا تُقاس بعدد الذين يقفون لأداء القسم، بل بعدد الذين يلتزمون به حين يصبحون أمام اختبار المسؤولية.
فالعراق لا يحتاج إلى مسؤولين يجيدون ترديد القسم بقدر حاجته إلى رجال يترجمون معانيه إلى مواقف وقرارات وأفعال.
ويبقى السؤال الذي نضعه أمام الجهات المعنية: هل نريد قسماً يحمي الدولة والدستور، أم طقساً سياسياً يتجدد مع كل ولاية فيما تبقى وعود الإصلاح والانضباط أسيرة الكلمات؟
فالقسم ليس ولاءً لحاكم ولا امتيازاً لمسؤول بل أمانة أمام الله والوطن والشعب… ومن لا يستطيع حمل الأمانة فما قيمة القسم الذي يؤديه.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *