المفوضية العليا للانتخابات في العراق.. استقلالية على الورق وأحزاب تمسك بخيوط القرار!

المفوضية العليا للانتخابات في العراق.. استقلالية على الورق وأحزاب تمسك بخيوط القرار!
آخر تحديث:

ضياء الكواز يكتب
منذ تأسيس المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق، بقيت الاستقلالية عنواناً معلناً لمؤسسة يُفترض أن تكون الحارس الأمين لإرادة الناخب العراقي، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة: هل المفوضية مستقلة فعلاً، أم أن نفوذ الأحزاب السياسية يتسلل إلى قراراتها ويؤثر في مسارها من خلف الكواليس؟
إنّ المفوضية ليست دائرة إدارية عادية، بل مؤسسة تقع على عاتقها مسؤولية حماية أصوات العراقيين، وضمان نزاهة الانتخابات وتكافؤ الفرص بين المتنافسين. وأي خلل في استقلاليتها لا يمسّ موظفيها وحدهم، بل يضرب ثقة المواطن بالعملية الانتخابية برمتها، ويضع علامات استفهام خطيرة أمام مصداقية المؤسسات الديمقراطية في البلاد.
وفي الآونة الأخيرة، تزايدت أحاديث وشكاوى بشأن نقل موظفين داخل المفوضية، يُقال إن بعضهم لا يرتبط بأحزاب سياسية، تحت عناوين إدارية من بينها إعادة الهيكلة وتنظيم العمل. وهنا يبرز السؤال الأهم: هل تستند هذه الإجراءات إلى حاجة مؤسسية حقيقية ومعايير مهنية معلنة، أم أنها تستدعي مراجعة جدية لكشف أسبابها وخلفياتها؟
إنّ إعادة توزيع الموظفين أو نقلهم قد تكون إجراءً إدارياً مشروعاً، لكن المشروع هو ما يستند إلى القانون والمصلحة العامة، لا ما يُستخدم لإقصاء الكفاءات أو تهميش الموظفين المستقلين. فالوظيفة العامة ليست غنيمة حزبية، ولا يجوز أن تتحول المواقع الإدارية إلى ساحة لتصفية الحسابات أو مكافأة أصحاب الولاءات.
وإذا صحت الادعاءات المتداولة بشأن اتساع الارتباطات الحزبية داخل المفوضية، أو وجود عمليات نقل تستهدف موظفين دون غيرهم، فإن الواجب يقتضي تحقيقاً إدارياً مستقلاً وشفافاً، يكشف حقيقة هذه الإجراءات ويحدد ما إذا كانت قد استندت إلى معايير موحدة أم لا. فالمطلوب ليس إطلاق الاتهامات جزافاً، بل تقديم الوقائع والأدلة ومحاسبة أي جهة يثبت تجاوزها للقانون.
كما أن العقوبات الإدارية والتنقلات الوظيفية يجب أن تخضع لضوابط قانونية واضحة، بعيداً عن القرارات الانتقائية والاجتهادات الشخصية. ولا يجوز إطلاق أحكام قاطعة بشأن عدد العقوبات أو شروط النقل من دون الرجوع إلى النصوص القانونية النافذة؛ فالقانون يجب أن يكون الفيصل، لا النفوذ السياسي ولا المصالح الحزبية.
أما مجلس المفوضين وما يُثار بشأن امتيازات أعضائه ومخصصاتهم، فإن القضية تتجاوز حجم الامتيازات إلى جوهر المساءلة والشفافية. فمن حق العراقيين معرفة الأسس التي تُحدد بموجبها هذه الامتيازات، وكيف تُدار الأموال العامة، وما الضمانات التي تحول دون تضارب المصالح أو تأثير الانتماءات السياسية في القرارات المؤسسية.
إذا كانت المفوضية مستقلة حقاً، فعليها أن تثبت استقلاليتها بالأفعال لا بالشعارات؛ بقراراتها الإدارية، وآليات اختيار قياداتها، وطريقة تعاملها مع موظفيها، وقدرتها على مقاومة أي ضغط سياسي.
إنّ إصلاح المفوضية لا يتحقق بمجرد تغيير مواقع الموظفين أو إعادة ترتيب الهيكل الإداري، بل يبدأ بمراجعة التشريعات الناظمة لعملها، وتعزيز ضمانات استقلالها، وتطوير آليات اختيار مجلس المفوضين، وإرساء قواعد واضحة تمنع المحاصصة والتدخل الحزبي، مع إخضاع القرارات الإدارية والمالية للرقابة والمساءلة.
فكيف يمكن مطالبة المواطن بالثقة بنتائج الانتخابات، إذا لم يكن مطمئناً إلى أن الجهة التي تديرها تقف على مسافة واحدة من جميع الأحزاب والقوى السياسية؟ وكيف يمكن الحديث عن انتخابات نزيهة إذا تحولت استقلالية المؤسسة إلى موضوع للتشكيك والجدل، بدلاً من أن تكون حقيقة راسخة تثبتها الممارسات؟
إنّ العراقيين لا يريدون مفوضية تكتفي بالدفاع عن استقلاليتها، بل يريدون مؤسسة تقدم الدليل على ذلك، وتحمي موظفيها من الضغوط، وتمنع تحويل الوظيفة العامة إلى مكافأة سياسية، وتضمن أن تكون الكفاءة والنزاهة هما المعيار في التعيين والنقل والترقية والمحاسبة.
الاستقلالية ليست لافتة تُعلّق على أبواب المؤسسات، ولا صفة تُمنح لمجلس أو دائرة؛ إنها امتحان يومي في القرار والممارسة والشفافية.
وعليه، فإن المطلوب اليوم إجابات واضحة عن أسباب نقل الموظفين، والمعايير المعتمدة في القرارات الإدارية، ومدى الالتزام بالقانون، وحقيقة ما يُثار بشأن النفوذ الحزبي داخل المفوضية. فالصمت لا يعالج الشكوك، والتبرير وحده لا يعيد الثقة، وإنما تفعل ذلك الحقائق الموثقة والرقابة الفاعلة والمحاسبة العادلة.
فهل نحن أمام مفوضية مستقلة تحمي إرادة العراقيين، أم أمام مؤسسة تحمل اسم الاستقلالية وتواجه اختباراً حقيقياً لإثباتها؟
إنّ الإجابة لا تُحسم بالشعارات، بل بقرارات شفافة وقانون يُطبّق على الجميع، لأن أصوات العراقيين ليست ملكاً للأحزاب، والمفوضية ليست ملكاً لأحد؛ إنها أمانة وطنية، وأي مساس باستقلاليتها يستوجب المساءلة، لا المجاملة.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *