جرف النصر و “لعبة” عدنان

جرف النصر و “لعبة” عدنان
آخر تحديث:
حسن حامد سرداح
تقول الحكمة، إن تجارة الحروب والأزمات هي الوقود الأخطر الذي تتغذى عليه الكراسي، بهذه الكلمات المختصرة، بالامكان وصف تصاعد الخطاب “الطائفي”خلال الفترة الاخيرة الذي ينكر تحرير جرف النصر، ويصفها بالمحتلة، وينسف جميع التضحيات والدماء التي سالت على ارضها من اجل دعاية سياسة رخيصة هدفها كسب “فئة” من الجماهير، بطريقة العزف على الوتر الطائفي بعد الخسارة الكبيرة التي ضربت مطلق تلك التصريحات بخروجه من الانتخابات البرلمانية الاخيرة صفر اليدين.. قصة جرف النصر (الصخر سابقا) تعود للسنوات الاولى بعد العام 2003، وظهور التنظيمات الإرهابية على الساحة العراقية، ومنها التوحيد والجهاد، ثم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين، وبعدها مجلس شورى المجاهدين، ودولة العراق الإسلامية، وصولا الى الدولة الإسلامية في العراق والشام، قبل العودة لتسمية تنظيم الدولة الإسلامية بعد إعلان “الخلافة” المزعومة في العام 2014، وخلال تلك المراحل مرت جرف النصر باحداث لا يمكن لصفحات التاريخ تجاوزها فقد تحولت تلك البقعة من الارض التي تتميز بموقعها الجغرافي الرابط بين محافظات الانبار وبابل وكربلاء والمناطق الجنوبية من بغداد إلى بؤرة لتجمع التنظيمات الإرهابية واتخاذها قاعدة ومقرا رئيسيا لضرب تلك المناطق وقطع الطريق على الزائرين المتوجهين لمدينة كربلاء، وسجل الحوادث الاجرامية مازال محفوظا بقصص قطع الرؤوس التي وصلت حتى “لجثامين” المتوفين خلال نقلهم من بغداد الى مقبرة وادي السلام في محافظة النجف، حيث كانت الجماعات الإرهابية المتفرعة من جرف الصخر تنصب الكمائن من منطقة صدر اليوسفية مرورا بناحية اللطيفية التي اعتبرت في حينها اخطر مكان من الناحية الأمنية، والافضل بالنسبة للإرهابيين لصيد ضحاياهم.
لكن.. تلك التنظيمات لم تكتف بجعل جرف النصر منطلقاً لتنفيذ عمليات الذبح والقتل، وتحويل بساتينها لمقابر جماعية تضم ابرياء مدنيين، وجنود ومنتسبين من مختلف الاجهزة الأمنية، ليس لديهم ذنب سوى، الانتماء لطائفة تختلف عن مذهب تلك الجماعات، وعملهم ضمن مؤسسات الدولة الأمنية، انما جعلوها معملاً متكاملاً لصناعة المتفجرات والاحزمة الناسفة وتفخيخ السيارات، ونقطة مركزية لانطلاق العمليات الإرهابية باتجاه بغداد وبابل وكربلاء، فكانت السيارات المفخخة والانتحاريون ينطلقون منها باتجاه تلك المناطق لاستهداف الاسواق وتجمعات المدنيين والمقرات العسكرية، وبجردة حساب بسيطة سنركز على ابرز التفجيرات التي ضربت بابل ومدنها بداية من العام 2005.._اولاً..في شهر كانون الثاني، استهدفت سيارة مفخخة أكاديمية الشرطة اثناء تجمع لقوات الشرطة، مما اسفر عن استشهاد اثنين وعشرين شخصاً واصابة العشرات…_ثانياً:. في الثامن والعشرين من شباط.. انفجر صهريج مفخخ يقوده انتحاري قرب مركز طبي في قضاء المسيب وانتهت الحصيلة بنحو مئة وستة وثلاثين شهيداً واكثر من مئة وثمانية واربعين جريحا، وكان من اكثر العمليات الإرهابية “دموية” التي ضربت البلاد في حينها، والتي مازال اهالي بابل يتذكرونه بالم وحسرة.._ثالثا:. في الثلاثين من ايلول:. انفجرت سيارة مفخخة داخل سوق شعبية، أدت الى استشهاد اربعة عشر مواطناً، وإصابة نحو خمسين اخرين.اما في العام 2006، فقد سجلت المحافظة تفجيرات بمناطق مختلفة ابرزها، وقع خلال شهر حزيران انفجار سيارة مفخخة في سوق الحلة، حصيلته تراوحت بين سبعة عشر شهيدا وخمسة وعشرين جريحا، في حين سجلت المدينة في شهر أيار من العام ذاته، تفجيرا بسيارة مفخخة داخل معرض للسيارات، اسفر عن استشهاد اثني عشر شخصاً وإصابة اثنين وثلاثين اخرين، حتى جاء العام 2007، ليكون اكثر الاعوام دموية في محافظة بابل، التي شهدت العديد من التفجيرات ابرزها.._اولاً:. في كانون الثاني حيث استشهد نحو ثلاثة وسبعين شخصاً واصيب اكثر من مئة وستين اخرين بهجومين انتحاريين بسيارتين مفخختين.
_ثانيا:. في الاول من شباط استشهد نحو خمسة واربعين شخصاً واصيب نحو مءة وخمسين اخرين بتفجير انتحاري داخل سوق مزدحمة بالمواطنين..
_ثالثا:. في السادس من اذار استهدف انتحاريين يرتديان حزامين ناسفين جموع الزائرين المتوجهين سيرا على الأقدام إلى مدينة كربلاء لاحياء زيارة أربعينية الإمام الحسين (عليه السلام)، مما ادى إلى استشهاد نحو مئة واربعة عشر زائرا  واصابة مئة وسبعة واربعين  اخرين. التفجيرات في بابل لم تتوقف في تلك الفترة، واستمرت بشكل متصاعد، ففي العام 2010، استشهد خمسة واربعون شخصاً واصيب مئة واربعون اخرون، بسلسلة تفجيرات بسيارات مفخخة قرب شركة الصناعات النسيجية، وفي العام 2012، توزعت التفجيرات بين استهداف الزائرين ومنازل المنتسبين في القوات الأمنية، ليسجل العام 2013، نحو ثمانية وثمانين شهيدا بتفجيرات توزعت على مناطق متفرقة من بابل، لتكون مدينة الحلة في العام 2014 على موعد مع تفجير بشاحنة مفخخة يقودها انتحاري استهدف نقطة تفتيش عسكرية تعرف “بسيطرة الاثار” كانت الحصيلة نحو خمسة واربعين شهيداً واكثر من مئة جريح.
تلك كانت ابرز العمليات الإرهابية التي شهدتها محافظات بابل قبل تحرير جرف النصر في الخامس والعشرين من تشرين الاول للعام 2014، بعد سيطرة تنظيم داااعش على الموصل وصلاح الدين والأنبار، لتنخفض التفجيرات بشكل كبير حتى وصلت للإنعدام، بعد اخر تفجير بصهريج مفخخ يقوده انتحاري على طريق الشوملي، استهدف زوارا عائدين من زيارة الاربعين خلال العام 2016، اسفر عن استشهاد نحو مئة شخص وإصابة خمسين اخرين، وبهذا اغلقت بابل صفحة التفجيرات الانتحارية وجففت منابع الارهاب في جرف النصر. نعم.. تحررت جرف الصخر بعملية واسعة استمرت لمدة يومين نجحت خلالها القوات الأمنية بجميع صنوفها وفي مقدمتهم الحشد الشعبي بتطهير القضاء وجعل عناصر دااعش بين مقتول ومعتقل وهارب باتجاه الأنبار، بفضل الدماء التي روت ارضها ونقلتها من واقع الاحتلال تحت قبضة زمر الإرهاب إلى مساحة التحرير وبتسمية جديدة عنوانها “جرف النصر”، لكن، وبعد كل تلك التضحيات ومرور اثنتي عشرة سنة على استئصال “السرطان” الذي كان ينهش بجسد بابل وبغداد ويهدد كربلاء، خرج علينا الشيخ عدنان الجنابي، ضارباً جميع تلك التضحيات بعرض الحائط، ليرفع صوته بالنكران والجحود، واصفا الجرف بانها “ارض محتلة” ومعتبرا المحررين قوات احتلال يعملون باوامر خارجية، في وقت كان صوته غائبا ولم نسمعه أيام انطلاق الإرهاب من تلك الناحية، وخلال المباشرة بتحريرها لم نشاهده يساند القوات الأمنية على الرغم من وجوده كنائب في البرلمان حينها. ولعل.. اكثر مايدفع للإستغراب، ظهور بعض شيوخ العشائر وهم يؤيدون الخطاب “الطائفي” للشيخ عدنان الجنابي ويستعرضون باسلحتهم وهتافاتهم على مسامع الجميع وعبر شاشات الفضائيات، تحت عنوان “إعادة النازحين لجرف الصخر” وهي كلمة حق يراد بها باطل، لاننا بصراحة، لا نعرف اين كانت تلك المشايخ و “بنادقها” وهتافاتها وتهديداتها حينما كانت التنظيمات الإرهابية “تسرح وتمرح” في جرف النصر؟، ولا نعرف اين كانت تلك المشايخ؟، حينما احتاجهم الوطن لتحرير الارض والمشاركة مع الشباب وكبار السن الذين هبوا من محافظات الوسط والجنوب لتطهير الارض من “رجس” الإرهاب وعاد الكثير منهم محملين على الاكتاف بصناديق خشبية بعضها تحوي بقايا لاجساد مزقتها قنابل ومفخخات داااعش، واخرى لجثامين من دون رؤوس لانها اصرت على مواساة الضحايا من ابناء تلك المناطق واختارت الاستمرار بحراستهم حتى اذا كان الرأس بلا جسد. وفي وقت عاد الكثير من الاحياء بإصابات تنوعت بين فقد الساق او الذراع، او العين، او بشلل رباعي اقعدهم في البيوت، كنا نشاهد اغلب المشايخ الذين هتفوا لعدنان الجنابي بين مبايع لداااعش، وهارب في فنادق اربيل وعمان، يحرض من هناك على المحررين ويطلق انواع “الشتائم” ضدهم، ويتغنى بالإرهابيين، مرة يصفهم بالثوار، ومرة يمنحهم صفة المحررين والمنقذين من “جيش المالكي” او “الجيش الصفوي” باستخدام ذات الادوات المسخرة حاليا للترويح لخطاب عدنان الجنابي ومنها وسائل الإعلام التابعة لخميس الخنجر والفضائيات العربية التي كانت في 2014، تبث العواجل عن تقدم ماتسميهم “الثوار” نحو بغداد لاسقاطها.. الخلاصة:. ان إعادة النازحين لجرف النصر لا يحتاج لخطاب طائفي او اطلاق توصيفات تحمل بين كلماتها اساءات للمحررين وتضعهم بخانة السراق ورفع واقع التحرير عن الناحية ومنحهم صفة “المحتلة”، على العكس حل قضيتهم بحاجة لإجراءات أمنية ومسؤولية مشتركة بين الدولة والمواطن، يتعهد فيها الأهالي بعدم تكرار تجربة “الحواضن” والتعاون في الابلاغ عن الإرهابيين وإعلان البراءة منهم، إضافة لإجراءات قانونية تضع “سراق” اموال صندوق اعمار المحافظات المحررة  تحت سلطة المحاسبة، وحملة إعمار كبيرة لتأهيل البنى التحتية المدمرة بفعل الإرهاب، فاذا توفرت جميع تلك النقاط حينها سيكون إعادة النازحين حاجة ضرورية ولا مفر منها… اخيراً.. وضع ملف جرف النصر ضمن المساومات السياسية واستغلال “مشاعر” الناس لأغراض طائفية وحسابات مصلحية، سيرتد قريباً على أصحابها… وحينها سيعرف الجميع لماذا ارتفع صوت الشيخ عدنان الجنابي بهذا التوقيت!!

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *