الإنسان بين الحقيقة والوهم

الإنسان بين الحقيقة والوهم
آخر تحديث:
ابراهيم المحجوب

‏يعيش الإنسان بين عالمين متوازيين؛ عالم الحقيقة الذي تفرضه الوقائع، وعالم الوهم الذي تصنعه الأمنيات والخيال. وبين هذين العالمين يمضي العمر، فتارةً يقوده العقل إلى إدراك الحقيقة كما هي، وتارةً تأسره الأوهام فيرى الأشياء كما يتمنى أن تكون. ‏الحقيقة قد تكون قاسية، لكنها ثابتة، لا تتغير بتغير الأهواء ولا تتبدل بتبدل المصالح. أما الوهم فهو صورة يرسمها العقل حين يبتعد عن الواقع، أو حين يعجز الإنسان عن تقبل ما يراه أمامه. لذلك فإن بعض الأوهام تمنح الإنسان أملاً مؤقتًا، لكنها إذا طالت تحولت إلى قيد يمنعه من رؤية الطريق الصحيح. ‏وفي حياتنا اليومية نصادف من يعيش أسير أوهام المال، أو الشهرة، أو المنصب، فيظن أن السعادة تكمن فيها وحدها، ثم يكتشف بعد سنوات أن راحة النفس، وصدق العلاقات، وطمأنينة الضمير هي الثروة الحقيقية التي لا تُشترى. ‏وليس كل خيال مذمومًا، فالخيال هو بداية الإبداع، والأحلام هي الشرارة الأولى لكل إنجاز عظيم، لكن الفرق كبير بين حلم يدفع صاحبه إلى العمل، ووهم يجعله ينتظر المعجزات دون سعي أو اجتهاد. ‏إن الإنسان الحكيم هو من يوازن بين طموحه وواقعه، فيحلم بعين، وينظر إلى الحقيقة بالعين الأخرى. فلا يسمح للأوهام أن تخدعه، ولا يدع قسوة الواقع تطفئ نور الأمل في قلبه. ‏ولعل الإنسان، في لحظات الصمت والتأمل، يلهو مع نفسه مسترجعًا مشاهد من الماضي، فيعيد رسمها كما كان يتمنى أن تكون لا كما حدثت. وقد يراه البعض عالمًا من الخيال، بينما نراه محاولة إنسانية لتصحيح ماضٍ لن يعود، وحوارًا داخليًا مع الذكريات التي عجز الزمن عن محوها. هناك، بين الأمنيات والواقع، يدرك الإنسان أن ما فات لا يمكن تغييره، لكنه يستطيع أن يتعلم منه، وأن يجعل من أخطائه جسورًا يعبر بها نحو مستقبل أكثر نضجًا ووعيًا، بدلاً من أن يبقى أسيرًا لحقيقة مضت أو وهمٍ يتمنى لو كان واقعًا. ‏وفي النهاية، تبقى الحقيقة هي الميناء الآمن الذي ترسو عنده سفينة الإنسان بعد رحلة طويلة من التجارب. أما الوهم، فمهما بدا جميلًا، فإنه يذبل أمام أول اختبار للواقع. ومن أراد حياةً مستقرة، فليجعل الحقيقة أساس قراراته، وليجعل الأمل رفيقًا لها، فبهما تُبنى النفوس، وتُصنع الحياة.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *