اتبعت حكومة نوري المالكي (٢٠١٠-٢٠١٤) سياسة “معاوية” طمعاً في الولاية الثالثة، فترك المجال لشراء الذمم، وغُض الطرف عن المؤيدين لكسب، ودهم وضمان ولائهم. اتُّخذ قرار بقص أجنحة مقتدى الصدر، الذي رجّح كفة نوري المالكي على حساب عادل عبد المهدي وشارك في حكومته. ونُفذ القرار عبر سحب وزرائه، ومنهم محمد الدراجي، والنائب الأول قصي السهيل، ورئيس كتلته البرلمانية بهاء الأعرجي، إلى جانب إبعاد قادة بعض الفصائل، مع فتح الباب أمام “التمكين المضاد” من خلال وزارات ومناصب أخرى، فضلاً عن النفوذ في التجارة والتعيينات والدعم المالي. في تلك الدورة، أراد المالكي أن يصبح زعيم العراق، لكنه بدلاً من أن يعمل كرجل دولة، تصرف كرجل انتخابات، هدفه حصد الأصوات وإبعاد المنافسين بأي ثمن. كما أُبعد عمار الحكيم، الذي لم يشارك في تلك الحكومة، فيما جرى دعم عدد من القيادات السنية بمشاريع كبيرة، حتى أُطلق عليهم لاحقاً مصطلح “سنة المالكي”. وطالب الأكراد بتنفيذ ورقتهم المؤلفة من 13 فقرة، وهي الورقة التي سبق أن عرضوها على عادل عبد المهدي وعمار الحكيم من دون اتفاق. لكن حسن السنيد، كبير مفاوضي المالكي، وقع عليها، فحصل المالكي على دعمهم لولاية ثانية. إلا أن بعض البنود كانت غير قابلة للتنفيذ، حتى إن المالكي عاتب السنيد قائلاً: “شلون توقع على هيچ مطالب؟”، فأجابه: “لو ما موقع، إنت تصير رئيس وزراء؟”. في تلك المرحلة، خسر المالكي دعم الأكراد والسنة والصدر، فضعفت حكومته، وسقطت الموصل ومناطق واسعة أخرى، ووقعت مجزرة سبايكر وغيرها من الأحداث، قبل أن تدعو المرجعية إلى اختيار رئيس وزراء جديد. جاء حيدر العبادي، وعمل بمنطق رجل الدولة، فمنح الهيئات المستقلة مساحة للعمل، وضبط المنافذ الحدودية، وحاول الحد من التهريب، لكنه اصطدم بمافيات الفساد والسلاح، ولم يحظَ بدعم داخلي أو خارجي كافٍ، فتفاقمت أزمة البصرة، وتعطلت الموانئ، واضطر في النهاية إلى التنازل. أما عادل عبد المهدي، فلم يراعِ التوازنات السياسية، واتجه شرقاً بصورة متعثرة، لتنتهي حكومته تحت ضغط احتجاجات شعبية غاضبة. ثم كُلّف مصطفى الكاظمي باحتواء الاحتجاجات وامتصاص غضب المستقلين والناشطين، فنجح في إدارة المرحلة الانتقالية، وراكم الأموال، وأعاد مؤسسات الدولة، وسلم الحكومة لخلفه بعدما كانت مهددة بعدم الاستمرار. وطُلب من محمد شياع السوداني استعادة الثقة بالمنظومة، والتوجه نحو الإعمار عبر مشاريع كبرى، ولو بكلف مرتفعة، لتجاوز آثار المرحلة السابقة. لكن استمرار الفساد وبقاء الفاسدين داخل مفاصل الدولة بدّل الأولويات، وأجّل مصالح البلاد والناس. ومع تصاعد تسريبات ملفات الفساد والجرائم، وُضعت المنظومة تحت رقابة وضغط متزايدين، ما دفعها إلى تقديم تنازلات وإسقاط بعض صغار الفاسدين، فيما بقيت الرؤوس الكبيرة بعيدة عن المساءلة.
الفساد الذي تمدد… من قص أجنحة الصدر.. إلى التمكين المضاد
آخر تحديث:
جواد البزوني











































