منذُ زمننا حدثنا السابقون، أنَ الذئبَ إذا لبسَ جلد الحمل، فلا يعني أنَ الحملَ أصبحَ ذئبا، وأنَ تبديلَ الثيابِ أسهلُ بكثيرٍ منْ تبديلِ التاريخ، وأنَ الذاكرةَ قدْ تمرضُ لكنها لا تموت، ويحكى أنَ مدينةً أنهكها الكلام، حتى صارتْ تصدقُ كلّ منْ يرتدي بدلةً أنيقة، ويبتسمُ أمامَ الكاميرات. في صباحٍ مشمس، وصلَ القاضي الجديدُ إلى مكتبه؛ ليمارسَ مهامهُ الجديدةَ في المدينة، يحملُ حقيبتهُ بيد، والقانون باليدِ الأخرى، لا يعرفُ منْ وجوهِ المدينةِ سوى ما قرأهُ في دليلِ الموظفين، قبلَ أنْ يجلسَ على كرسيه، دخلَ عليهِ أربعةُ رجال، يسبقهمْ العطر، وتتأخرُ خلفهمْ الحقيقة، فقدْ عرفَ أنفسهمْ منْ وجهاءِ المدينة، بعد أن أبدلوا كل ملابسهم التي كانوا يرتدونها في الزمن الغابر، ومزقوا كل وثائق الإدانة التي تدينهم في جرائمهم السابقة، حتى صورهم القديمة مزقوها، قدْ تبوا مناصب عليا في العصر الجديد، بالتزويرِ والفسادِ والمالِ الحرامِ والرشى لأصحابِ القرارِ الجددِ منْ الفاسدين. قالَ الأول: جئنا نباركُ لكمْ المنصب. وقالَ الثاني: ونضعُ أنفسنا بخدمتكم. وقالَ الثالث: هذهِ هديةٌ بسيطةٌ … مجرد قلمِ حبرٍ فاخر، لعلَ أحكامكمْ تكتبُ به. قالَ الرابع، وهوَ يناولهُ مسبحةً ومصحفا كريما ودفترَ مذكراتٍ فاخرا: ” حتى لا تنسونا منْ الدعاءِ … ومنْ الذكريات. ابتسمَ القاضي بأدب، وشكرهم، فهوَ لا يعرفُ أنَ هؤلاءِ الأربعةَ، كانوا قبلَ سنواتِ ضيوفٍ دائمينَ في ملفاتٍ أكثرَ سمكا منْ كتبِ القانون، وأنَ أسماءهمْ كانتْ تكتبُ بالحبرِ الأحمر، لا بالحبرِ الذهبي. خرجَ الأربعةَ منْ المحكمة، فضحكَ أحدهمْ حتى كادَ يسقطُ منْ شدةِ الثقة، فنادى القاضي على عاملهِ، بأنْ يضعَ هداياهمْ أمانة في مكتبهِ لربما- يوما ما- يعيدها لهم. قالَ أولهم: أرأيتم؟ لقدْ نجحنا. قالَ الثاني: قلت لكمْ ، إنَ ربطةَ العنقِ تمحو نصفَ الجرائم. وأضافَ الثالث: والبدلةُ الأوروبيةُ تمحو النصفَ الآخر. أما الرابع، فقال: وهوَ يعدلُ ياقةَ قميصه: ولوْ بقيَ شيء، فإنَ المنصبَ الجديدَ كفيلٌ بغسله، ثمَ انفجروا جميعا بالضحكِ … ضحكا يشبهُ ضحكَ اللصوصِ حينَ يشاركونَ في مؤتمرٍ للنزاهة. في تلكَ الأيام، كانتْ السياسةُ ، قدْ اخترعتْ آلة عجيبة لإعادةِ التدوير، تضعُ فيها متهما … فيخرجُ قائدا، وتدخلاً فاسدا … فيخرجُ مصلحا، وتلقينٌ فيها ملفا جنائيا … فيخرجُ منهُ برنامجا انتخابيا، حتى أصبحَ المواطنُ يحتاجُ إلى دليل؛ ليفرقَ بينَ قاعةِ المحكمةِ وقاعةِ الاحتفالات. أما شهودُ الزور، فقدْ حصلوا على ترقيات، وصاروا خبراء في الوطنية، يشرحونَ للناسِ كيفَ تتحولُ السرقةُ إلى إنجاز، وكيفَ يصبحُ الفسادُ وجهةَ نظر، وكيفَ تتحولُ الرشوةُ إلى هديةٍ بروتوكولية، لكنَ المدينةَ لمْ تكنْ نائمةً كما ظنوا. كانتْ تتظاهرُ بالنسيانِ فقط، فالأمهاتُ ما زلنَ يذكرن، والشيوخ ما زالوا يحكون، والوثائق كانتْ تنتظرُ منْ ينفضُ عنها الغبار فصورهم، قد ملأت الصحافة في حينها بنشاطاتهموتملقهم للجلاد القديم، أما الضميرُ الحيُ … فلمْ يوقعْ يوما على قرارِ إتلاف، وبدأَ أبناء المدينةِ يجمعونَ الأدلة، ورقةٍ بعدَ أخرى، حتى صارَ الملفُ أثقلَ منْ كلِ خطاباتِ التبرير. ها وقدْ وصلتْ الوثائقُ إلى القاضي، قرأها مرة، ثمَ أعادَ قراءتها، ثمَ نظرا إلى صورِ الرجالِ الأربعة، وتذكرُ الوجوه التي جاءتْ تباركهُ في أولِ يومِ مباشرتهِ في المدينة. ابتسمَ هذهِ المرةَ أيضا … لكنها لمْ تكنْ ابتسامةْ الترحيب، بلْ ابتسامةْ العدالةِ حينَ تعثرُ على الحقيقة، أصدرَ قراره بإحالتهمْ إلى المحكمةِ المختصة، وفي صباحِ المحاكمة، حدثتْ المعجزةُ الوحيدةُ التي لمْ تكنْ في حساباتهم، فقد اختفتْ البدلاتُ الإيطاليةُ التي كانوا يرتدونها، ومعها ربطاتُ العنقِ الفرنسية، ومعها القمصانُ ذات الماركاتِ العالمية حضرَ الأربعةَ جميعا بزيٍ واحدٍ … بيجامات صفراء لا تعرفُ الماركات، ولا تعترفُ بالألقاب، وقفوا داخلَ قفصِ الاتهام، ينظرُ بعضهمْ إلى بعض، وكأنهمْ يتساءلون: هلْ ترى تقبلُ المسبحةُ اليومَ استئنافا؟” قالَ الآخرُ هامسا: ” جربوا المصحف … ” فرد الثالث: ” بلْ أعطوهُ القلم … ربما يكتبُ البراءة. ” أما الرابع، فأغلقَ دفتر المذكرات، وقالَ بحسرة: ” يبدو أنَ الصفحةَ الأخيرةَ كتبها التاريخُ قبلنا. ” وقفُ القاضي، وتلا الحكم: ” بعدَ الاطلاعِ على الأدلة، والاستماعِ إلى الشهود، وتطبيقِ النصوصِ القانونية، تقررُ إدانةْ المتهمينَ جميعا. عندها فقط، أدركَ الأربعة، أنَ القانونَ لا يقرأُ الماركات، ولا يقيسُ العدالةَ بطولِ ربطةِ العنق، ولا يفرقُ بينَ مسؤولٍ سابقٍ ومتهمٍ حاضر. أعادَ موظفُ المحكمةِ إليهمْ الهدايا التي جاءوا بها يومَ التهنئة؛ المسبحة، المصحف الكريم، قلم الحبر، ودفتر المذكرات، ولكنْ داخلَ كيسٍ واحدٍ كأنهُ يقولُ لهم: ” خذوا معكمْ كلَ أدواتِ التمثيلِ … فالعرضُ انتهى. أغلقَ المسرح … وانصرفَ الجمهورُ … وبقيَ التاريخُ وحدهُ يصفقُ للعدالة، لأنها كانتْ الممثل الوحيد الذي لمْ يحفظْ دوره عنْ ظهرِ قلب، بلْ قرأهُ منْ أوراقٍ الحقيقة.
القاضي الجديدُ والمتهمونَ الأربعةُ
آخر تحديث:
محمد خضير الانباري











































