في مشهد يعكس تناقضاً صارخاً بين البساطة الموعودة والتعقيد المفروض (التي وعدنا بها دولة رئيس الوزراء – علي الزيدي)، يكتشف المواطن العراقي أن استخراج “باج” الدخول إلى المنطقة الخضراء قد تحوّل إلى مهمة شاقة تستغرق أسابيع، بينما لا يحتاج استخراج البطاقة الوطنية الموحدة أو جواز السفر العراقي سوى أيام أو ساعات معدودة في أروقة وزارة الداخلية. فكيف تحوّلت هذه البطاقة الصغيرة إلى رمز للبيروقراطية المعقّدة والمحسوبية المستشرية؟ جذور معقّدة منذ عهد الاحتلال تعود جذور هذا الروتين البيزنطي إلى أيام الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر، الذي بحث عن ملاذ آمن لعزل نفسه وإدارته عن الشعب العراقي في ظلّ الاحتلال. ووقعت الاختيار على جزء من حي كرادة مريم في رصافة بغداد، ليضمّ القصور الرئاسية والمقرات الأمنية للنظام السابق. ومع مرور الزمن، تمدّدت هذه المساحة أضعافاً مضاعفة، وأُطلق عليها “المنطقة الخضراء”، فيما صُنّف بقية العراق كـ “منطقة حمراء” – تسمية حملت في طيّاتها كثيراً من الدلالات السياسية والنفسية. أيام الاحتلال: تباين صارخ في الحقوق في زمن الاحتلال، كانت “الباجات” تُقسّم بدقة وفقاً للجنسية والصلاحيات. فحامل الجواز الأمريكي كان يحقّ له العبور إلى المنطقة دون عوائق، بينما كان المواطن العراقي – مهما علت مرتبته – يخضع لتفتيش جسدي دقيق وإلزام بنزع بطارية هاتفه. وبلغ الأمر ذروته حين تردّد في الشارع أن الجندي الأمريكي يمتلك سلطة تفوق سلطة أعلى المسؤولين العراقيين، وحرّيته تسمح له بدخول مكتب رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء. هذا المشهد المهين استمرّ حتى خروج القوات الأمريكية. المحسوبية والواسطة: معايير غير مرئية ورغم رحيل الاحتلال، بقي إرثه البيروقراطي حياً ومتجذراً، بل وتعمّق أكثر. فأولوية كل رئيس وزراء جديد هي تعيين المقربين منه على رأس إدارة “مكتب باجات المنطقة الخضراء”، ومع كل تغيير حكومي تُستحدث تعليمات وإجراءات جديدة، يتداخل فيها المزاج الشخصي مع القرار الإداري، وكأنّ المراجع يسعى لنيل “صك غفران” لا مجرد بطاقة دخول. اللافت أن معايير منح “الباجات” باتت محكومة بـ”ثقل الواسطة” وحجم النفوذ في كواليس السلطة، لا بالمنطق أو العدالة. فقد يحصل كاسب أو حرفي لا ينتمي للسلك الحكومي على “باج” من أعلى الفئات السياسية لأن واسطته نافذة، بينما يُمنح الساكن الأصلي للمنطقة أدنى الامتيازات. وعند الاستفسار عن سبب هذا التفاوت، يُردّ الموظفون بأن الأمر يحتاج إلى استثناءات وموافقات من مكتب رئيس الوزراء نفسه! ساكنو المنطقة الخضراء: بين السجن والطرد وكم هي مفارقة أخرى أن حال الساكنين في المنطقة الخضراء لا يختلف كثيراً عن حال “سجناء أو مطرودين”! فهؤلاء السكان، الذين يُفترض أن تكون المنطقة موطناً لهم، لا يملكون الحرية الكافية في التحرك داخل أحيائهم ومنطقتهم. فعند الخروج، إن لم تكن بحوزتهم “الباجات” ذات اللون الموقر، لا يستطيعون الدخول مجدداً إلا بصحبة من هم أولى منهم في السلم الوظيفي أو النفوذ. وكم هي المرات التي واجهنا فيها مثل هذه الحالات المهينة التي تجعل المرء يشعر بأنه غريب في منزله! وعندما تشكو للآخرين من هذه الإجراءات العقيمة، يقترحون عليك مغادرة المكان، مستلهمين في ذلك مفهوم الآية الكريمة: “ربنا أخرجنا من هذه القرية…” وكأنّ المنطقة الخضراء تحوّلت إلى تلك القرية ! طرفة البيروقراطية: استمارة خارج الدائرة ودفع مسبق في مكان بعيد! والطريف في الأمر – بل والمثير للسخرية – أن استمارة الحصول على “باج” المنطقة الخضراء لا تصدر من دائرة الباجات الرسمية نفسها! فبدلاً من أن تقدّم لك النماذج في المقرّ المختص او الموقع الرسمي في الانترنت، يرشدك الموظفون إلى “محل مشتريات” قريب من مطعم وسوبر ماركت، وكأنّ الأمر يتعلق بشراء حاجيات يومية لا باستخراج وثيقة رسمية تتيح لك الدخول إلى أهم منطقة محصّنة في البلاد. ولم تتوقف المفارقات عند هذا الحدّ، بل إن عملية الدفع المسبق تجري في مكان آخر تماماً، لا يمكنك الوصول إليه إلا بعد حصولك على الباج الذي تسعى للحصول عليه! إنها حلقة مفرغة من الإجراءات المتشابكة، حيث يُطلب منك إنجاز خطوات لا يمكن إنجازها إلا بعد إتمام خطوات أخرى، وكأنّ الموظفين يمارسون لعبة معقّدة لا يعرف قوانينها إلا هم، بينما يظل المواطن تائهاً بين محل مشتريات ومطعم وسوبر ماركت ومكاتب لا يعرف موقعها، في رحلة أشبه بالبحث عن كنز ضائع وسط متاهة بيروقراطية! استمارة أخرى وكفيل لا تعرفه! والأغرب أن للساكنين استمارة أخرى تُملأ في مكتب الباجات، تحمل نفس المعلومات التي قدّمتها سابقاً، وتُلحق بها صورة شخصية، ثم يُطلب منك ذكر و”المخول” و “الكفيل” – وهو شخص لا تعرفه في الغالب، بل يُرشدك الموظفون إلى اسمه فقط! فكيف يكون الكفيل مجرد اسم يُلقى عليك، وكيف تكون مسؤولية دخولك إلى منزلك مرهونة بشخص ربما لم تره في حياتك؟ إنها متاهة بيروقراطية تهدف ظاهراً إلى التنظيم، لكنها في باطنها تكرّس ثقافة التبعية والاستجداء للحصول على حقّ طبيعي هو دخول مسكنك! ألوان الباجات: مصدر للمحسوبية لا للتنظيم إن تعدد ألوان الباجات (الأزرق، والاخضر، والأصفر، والرصاصي، والبنفسجي) ليس مجرد تنظيم إداري، بل هو السبب الرئيس في ترسيخ “المحسوبية” والواسطات السياسية، بقصد أو غير قصد، شاء القائمون عليها أم أبوا. فكلما تكاثرت الفئات والألوان، ازدادت احتمالات التمييز والتفاوت في المعاملة، وأصبحت الأولوية لمن يملك واسطة نافذة لا لمن يملك حقّاً في السكن أو العمل. وهكذا تتحوّل البطاقة الصغيرة إلى أداة لتعزيز النخبوية والامتيازات، بعيداً عن أي منطق إداري أو عدالة اجتماعية. نحو حلّ عملي: “باج عام” و”باج رئاسي“ إنّ المنطقة الخضراء لا تحتاج إلى هذا التعدد المعقّد في ألوان الباجات وتصنيفاتها التي تفتح أبواب المحسوبية والواسطة على مصراعيها، ولا إلى هذه المتاهة الإجرائية التي تستنزف وقت المواطن وجهدّه، ولا إلى استمارات مكررة وكفلاء وهميين وأماكن دفع بعيدة المنال. الأجدى هو إقرار “سمة دخول عامة” تُعامل معاملة جواز السفر، بحيث يُسمح لحاملها بالدخول سواء كان من الساكنين أو العاملين في المنطقة، على أن تصدر الاستمارات من الدائرة المختصة نفسها، وأن يكون مكان الدفع محدداً وواضحاً ضمن الإجراءات الرسمية، وأن تُلغى متطلبات الكفيل التي لا معنى لها إلا في إطار تعقيد الأمور عمداً. أما المناطق الخاصة برئاسة مجلس الوزراء، فيُفترض أن تبقى محظورة ولا يدخلها إلا قاطنوها أو الكوادر العاملة فيها حصراً. فلا يصحّ أن ينشغل مكتب رئيس الوزراء بهذه الأمور الهامشية التي تستهلك الوقت والجهد، بل يجب أن يكرّس جهده للشؤون الوطنية الكبرى. وبناءً على ذلك، وكما يوجد جواز سفر دبلوماسي وآخر عام، يُفترض أن يكون هناك “باج عام” و”باج رئاسي” – حلّ يضمن العدالة والكفاءة معاً، ويُريح المواطن من عناء البحث عن استمارة في متجر، ودفع مقدم في مكان لا يعرفه، وكفيل لا يعرفه، وسط فوضى إدارية لا تشرف دولة تسعى إلى البناء والاستقرار.
المنطقة الخضراء وبيروقراطية “الباجات”: حين يصبح الدخول أصعب من استخراج الجنسية
آخر تحديث:
طالب الحمداني











































