حرب الخليج الثالثة .. القصور الاستراتيجي..!!

حرب الخليج الثالثة .. القصور الاستراتيجي..!!
آخر تحديث:
مازن صاحب
كلما ارتفعت أعمدة الدخان فوق مياه الخليج العربي، عاد  الأمن الإقليمي إلى الواجهة من جديد… المشكلة  أن منظومة مجلس التعاون الخليجي ما زالت، منذ انتهاء الحرب الإيرانية العراقية ثم حرب الخليج الثانية عام 1990، تبحث عن معادلة استراتيجية مستقرة، تتأرجح بين الاعتماد على نموذج (المحميات) وبين السعي إلى بناء تفاهم إقليمي قادر على حماية مصالح الجميع. ولعل الاتفاق الإيراني ـ السعودي برعاية الصين كان محاولة جادة لردم هذه الفجوة، إلا أنه لم يصمد أمام أول اختبار كبير فرضه التصعيد الإيراني في مواجهة ((العدوان الأمريكي الإسرائيلي))!! . السؤال الأهم: كيف يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي معالجة هذا القصور الاستراتيجي في ظل التناقض العميق بين مشروعين متصارعين؛ الأول يتمثل بالأهداف الأمريكية للشرق الأوسط الجديد، والاتفاقات الإبراهيمية التي تمنح إسرائيل دوراً متقدماً في هندسة توازنات الإقليم، والثاني تمثله حاكمية ولاية الفقيه الإيرانية التي تتقاطع، عقائدياً وسياسياً، مع مجمل تلك الأهداف؟ تاريخياً، لم تكن دول الخليج العربي، بما فيها إيران، خارج منظومة الحماية البريطانية ثم الأمريكية، بوصفها إحدى نتائج الحربين العالميتين الأولى والثانية. ثم جاءت الحرب الباردة، وسقوط جدار برلين، واتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، لتعيد رسم أولويات المنطقة، فتوجهت دول الخليج نحو بناء نفوذها الإقليمي والدولي عبر الاستثمار في البترودولار، بدلاً من الاكتفاء بالاعتماد على المظلة الأمنية الغربية. هكذا ولدت مشاريع التحول الكبرى، مثل رؤية السعودية 2030 ورؤية الإمارات 2050، فيما كانت الكويت قد سبقت الجميع بإطلاق مشروع صندوق الأجيال، في محاولة لبناء أمن اقتصادي يوازي الأمن العسكري. في المقابل، لم تتخل إيران عن تطبيقات حاكمية ولاية الفقيه في إدارة علاقاتها الإقليمية، لعل ابرزه ما تجسد في لبنان وسوريا والعراق واليمن، الأمر الذي لم ينتج تفاهمات إيرانية ـ خليجية بقدر ما عمّق المخاوف المتبادلة، وصولاً إلى ما عُرف بمشروع الهلال الشيعي. ربما كان الخيار الأكثر واقعية للطرفين يتمثل في بناء نموذج ثالث للعلاقات، يقوم على توحيد البوصلة السياسية تجاه القضية الفلسطينية وفق مشروع حل الدولتين، بالتوازي مع تأسيس تعاون اقتصادي واتفاق أمني يبدد هواجس الطرفين، بدلاً من استمرار إدارة العلاقة بمنطق الشكوك المتبادلة. غير أن أحداث السابع من أكتوبر، وما تلاها من تطورات في غزة ولبنان وسوريا والعراق، أعادت إنتاج فجوة الثقة، حتى بدا الاتفاق السعودي الإيراني برعاية الصين عاجزاً عن الصمود أمام التحولات المتسارعة. كلما تصاعدت الأحداث، استعادت المنطقة ضغائن التاريخ وسردياته الدينية، بينما لا تُبنى المصالح الإقليمية والدولية على سرديات الماضي، لأن ثوابت الجغرافيا تبقى، أما متغيرات التاريخ فتتبدل من حقبة إلى أخرى، ولكل مرحلة أدواتها ومعادلاتها السياسية. من هذه الزاوية تحديداً، تنظر معظم دول الخليج اليوم إلى الحرب الأمريكية المتجددة مع إيران بوصفها ليست حربها، ولذلك اندفعت إلى ممارسة أدوار الوساطة والتهدئة، أملاً في وقف إطلاق النار، من دون أن تتمكن واشنطن وطهران من الوصول إلى اتفاق نهائي. لكن المواقف الإيرانية، في المقابل، ما زالت تتعامل مع أمن الخليج واستقراره الاقتصادي باعتباره جزءاً من معادلة الرد على العدوان الأمريكي، وهو ما يضع هذه الدول أمام معضلة استراتيجية معقدة. تتجسد المفارقة الكبرى.. في كون دول الخليج ليست جزءاً عملياً من الحرب ضد إيران، لكنها في الوقت ذاته لم تستطع إقناع طهران بأنها خارج نطاق هذه المواجهة، وهو جوهر القصور الاستراتيجي الذي تعيشه منذ عقود. ومع اتساع احتمالات استمرار الصراع، عادت النقاشات الأمنية الدولية إلى الواجهة، ولا سيما بعد قمة حلف الناتو في أنقرة، التي أعادت التأكيد على أهمية حماية الممرات البحرية والبنى التحتية الحيوية.  وقد تتجه بعض دول الخليج إلى إحياء صيغة حديثة من نظام الحماية الدولية، عبر توسيع مهام قوات الناتو، أو مشاركة دول كبرى مثل بريطانيا وفرنسا، وربما حتى الصين وروسيا، في حماية الملاحة البحرية، والموانئ، ومحطات تحلية المياه، ومنشآت الطاقة، من دون أن يعني ذلك العودة إلى مفهوم المحميات بصيغته التاريخية. ربما يتطور هذا المسار إلى استصدار قرار من مجلس الأمن يمنح غطاءً قانونيا دوليا لهذا النوع من الحماية ، تحت عنوان حماية الدول المحايدة ومنشآتها الحيوية من تداعيات الحرب الدائرة بين واشنطن وطهران. أمريكياً، لا يبدو  مثل هذا الخيار سيواجه اعتراضاً كبيراً، بل ربما ينسجم مع سياسة توزيع الأعباء الأمنية، بما يفضي إلى نموذج جديد لإدارة الأمن في الخليج العربي. السؤال الحاسم: كيف سيكون الرد الإيراني؟ في إطار القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، يمكن تكييف مثل هذه الترتيبات الأمنية ضمن مفهوم الحماية الدولية، إلا أن أي استهداف لها سيعني عملياً مواجهة مع الدول المشاركة في تلك المهمة، وليس مع دول الخليج وحدها. وفي المقابل، قد تلجأ طهران إلى مناورة جديدة تقوم على هدنة مؤقتة بانتظار تغير موازين القوى، لأن الفجوة بين مشروع حاكمية ولاية الفقيه ومشروع الشرق الأوسط الجديد والاتفاقات الإبراهيمية ما زالت أوسع من أن تعالجها تفاهمات مؤقتة. ولذلك فإن هذه الحرب لن تنتهي إلا بمتغيرات استراتيجية حقيقية، إما بإسقاط أحد المشروعين، أو بإنتاج معادلة إقليمية ودولية جديدة. الأكثر إثارة للجدل هو الرهان المتكرر على سقوط الهيمنة العسكرية والاقتصادية الأمريكية، وولادة عالم متعدد الأقطاب. نعم، قد يكون هذا التحول ممكناً، لكنه لا يعني، بالضرورة، انتقال النفوذ الإقليمي تلقائياً إلى حاكمية ولاية الفقيه الإيرانية، كما أنه لا يعني أن النظام الدولي الجديد سيكون موجهاً ضد الولايات المتحدة الأمريكية، أو أنه سيلغي وجود إسرائيل ويرمي بهم إلى البحر..!! لذلك ثمة أهمية كبيرة في إعادة قراءة هذا القصور الاستراتيجي، بين ضفتي الخليج العربي أولاً، وبين الخليج ومشروع الشرق الأوسط الجديد ثانياً، لا تبدأ باستدعاء المزيد من القوى العسكرية، بل ردم فجوة الثقة، وصياغة بوصلة إقليمية مشتركة تنتج معادلة توازن جديدة تحفظ المصالح قبل أن تفرضها الحروب. فهل ثمة من يفكر بهذه المقاربة الاستراتيجية؟ الإجابة، حتى الآن، لا تبدو مشجعة، فيما الجميع يترقب ما ستنتهي إليه نيران الحرب… ولله في خلقه شؤون.!!

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *