علق المحلل والمستشرق الإسرائيلي “يوني بن مناحم” على الزيارة الأولى لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى الولايات المتحدة موضحا أنها كشفت عن عمق الصراع الذي يحيط بمستقبل العراق، حيث لم تعد المواجهة تقتصر على ملف الوجود العسكري الأمريكي أو النفوذ الإيراني التقليدي، بل امتدت لتشمل شكل الدولة العراقية ومستقبل مؤسساتها الأمنية واتجاهاتها الاقتصادية وهوية شركائها الدوليين.زيارة تحمل رسائل استراتيجيةبحسب المحلل الإسرائيلي، فقد جاءت زيارة الزيدي إلى واشنطن في توقيت حساس، إذ حاولت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقديمها باعتبارها بداية مرحلة جديدة في العلاقات العراقية الأمريكية، تنتقل فيها العلاقة من مرحلة اعتمدت طوال عقدين على الوجود العسكري الأمريكي إلى شراكة استراتيجية تقوم على الاستثمار والطاقة والتعاون الاستخباراتي. لكن الزيارة سرعان ما تحولت إلى حدث سياسي مثير للجدل داخل العراق، بعدما كشفت حجم الانقسام حول مستقبل البلاد بين تيارين: أحدهما يرى ضرورة تعزيز علاقة بغداد بالولايات المتحدة والانفتاح على الاستثمارات الغربية، والآخر يخشى أن تكون هذه الخطوات مقدمة لتقليص نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران.اختبار الزيدي بين الماضي والمستقبل برز أحد أكثر المواقف حساسية خلال لقاء الزيدي مع الرئيس ترامب، عندما أشار الأخير إلى عملية اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس عام 2020، متسائلًا عما إذا كان ذلك قد شكّل “خدمة للعراق”؟. من جانبه، اختار رئيس الوزراء العراقي تجنب الدخول في مواجهة مباشرة، مؤكدًا أنه لم يكن حينها منخرطًا في العمل السياسي، وأن الأولوية لديه يجب أن تكون للمستقبل وليس للماضي. ورغم أن هذا الرد عُدّ دبلوماسيًا ومحسوبًا بهدف الحفاظ على توازن العلاقات مع واشنطن وطهران في آن واحد، فإن القوى الموالية لإيران اعتبرته مؤشرًا على رضوخ بغداد للضغوط الأمريكية. وشنت فصائل شيعية موالية لإيران هجومًا سياسيًا على الزيدي، حيث وصف قادة تلك الفصائل سليماني والمهندس بأنهما من “رموز للمقاومة”، واتهموا الحكومة العراقية بأنها تستجيب لمطالب أمريكية تهدف إلى إضعاف الحشد الشعبي وتقليص دوره السياسي والأمني. النفوذ الأمريكي لن يُقاس بعدد الجنود! إلى جانب الجدل السياسي حول زيارة الزيدي لواشنطن، فقد بدت ملامح تحول أوسع في السياسة الأمريكية تجاه العراق. إذ لم تعد الولايات المتحدة ترغب في استمرار وجود عسكري واسع على الأراضي العراقية، وتسعى إلى إنهاء مهمة التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، مع نقل مسؤولية مكافحة الإرهاب إلى الجيش العراقي وقوات البشمركة. لكن الانسحاب العسكري لا يعني تراجع النفوذ الأمريكي، بل على العكس، تحاول واشنطن بناء نموذج جديد يعتمد على دعم مؤسسات الدولة العراقية، وتعزيز التعاون في مجالات الاستخبارات والتكنولوجيا والتدريب. وتتمثل الرسالة الأمريكية الأساسية في أن النفوذ لن يُقاس بعدد الجنود الموجودين في العراق، وإنما بقدرة الولايات المتحدة على التأثير في مؤسسات الدولة والاقتصاد وقطاع الطاقة. الاقتصاد والطاقة.. ساحة المواجهة الجديدة أشار “بن مناحم” إلى أن ملفات الأمن لم تكن وحدها محور زيارة الزيدي، إذ حمل الوفد العراقي إلى واشنطن أجندة اقتصادية واسعة تضمنت مفاوضات حول أكثر من 18 اتفاقية في مجالات النفط والطاقة والصناعة والاستثمار والتكنولوجيا. كما عقد رئيس الوزراء العراقي لقاءات مع مسؤولين في كبرى شركات الطاقة الأمريكية، من بينها إكسون موبيل وشيفرون وهاليبرتون، بهدف جذب استثمارات جديدة إلى العراق. ومن بين المشاريع ذات الأهمية الاستراتيجية التي جرى بحثها إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك–بانياس، الذي يمكن أن يعيد ربط النفط العراقي بساحل البحر المتوسط عبر الأراضي السورية. وفي حال تنفيذ ذلك المشروع، فإنه قد يمنح العراق منفذًا إضافيًا لتصدير النفط، ويقلل من اعتماده على مسارات الطاقة المرتبطة بمضيق هرمز، الأمر الذي يمنحه هامشًا أكبر من المناورة الاقتصادية والاستراتيجية. ومن وجهة النظر الأمريكية، فإن تعزيز استقلالية العراق في مجال الطاقة يمثل خطوة لتقليص النفوذ الإيراني على طرق التجارة والطاقة في المنطقة. الصين تدخل على خط المنافسة أكد “بن مناحم” أن ملف الاستثمارات لم يبقَ بعيدًا عن الصراع الجيوسياسي، إذ تحولت هوية الشركاء الاقتصاديين للعراق إلى جزء من التنافس بين الولايات المتحدة والصين وإيران. ففي الوقت الذي تراهن فيه الحكومة العراقية على الشركات الأمريكية والغربية لدعم التنمية، تدفع القوى الموالية لإيران نحو تعزيز التعاون مع الصين، باعتبارها شريكًا اقتصاديًا أقل ارتباطًا بالضغوط السياسية الغربية. وقد وجهت قيادات موالية لإيران انتقادات للشركات الأمريكية، وحمّلتها مسؤولية إخفاقات قطاع الكهرباء العراقي، داعية إلى استبدالها بشركات صينية. وهكذا أصبح الاقتصاد العراقي نفسه ساحة للتنافس الدولي، بعدما كان الصراع يتركز سابقًا على الملفات الأمنية والعسكرية فقط. معركة السيادة: الدولة أم الميليشيات؟ تكشف زيارة الزيدي إلى واشنطن أن المعركة على العراق لم تعد تدور فقط حول بقاء القوات الأمريكية أو حجم النفوذ الإيراني، بل أصبحت مرتبطة بالسؤال الأوسع: من يملك القرار داخل الدولة العراقية؟ فبالنسبة لواشنطن، فإن بناء عراق مستقر يتطلب تعزيز مؤسسات الدولة وحصر السلاح بيد الحكومة. أما بالنسبة لإيران وحلفائها، فإن الحفاظ على نفوذ الميليشيات يمثل ضمانة استراتيجية للحفاظ على حضورهم السياسي والأمني. ولهذا فإن ملف نزع سلاح الفصائل المسلحة يتجاوز كونه قضية أمنية، ليصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة العراقية على فرض سيادتها وبناء نظام سياسي مستقل. وخلص المحلل الإسرائيلي إلى أن نتائج زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن لن تُقاس بعدد الاتفاقيات التي تم توقيعها، بل بمدى قدرة الحكومة العراقية على تحويل هذه اللحظة إلى نقطة انطلاق نحو بناء دولة تمتلك قرارها السياسي والأمني والاقتصادي. فالعراق يقف أمام مفترق طرق: إما أن ينجح في إعادة تعريف دوره كدولة ذات مؤسسات قوية وشراكات متوازنة، أو يبقى ساحة مفتوحة للصراع بين واشنطن وطهران. وعليه، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط على النفوذ الإقليمي، بل على مستقبل الدولة العراقية نفسها، ومن يملك حق تحديد توجهاتها في السنوات المقبلة.
زيارة الزيدي إلى واشنطن.. كيف رصدها مُحلل إسرائيلي؟
آخر تحديث:
سعد عبد العزيز محمد







































