منذ حكومة حيدر العبادي، مرورًا بالحكومات المتعاقبة وصولًا إلى حكومة علي الزيدي، ظل شعار «حصر السلاح بيد الدولة» يتكرر دون أن يتحول إلى واقع. أصبح الشعار، بفعل عدم التنفيذ، أشبه بأسطوانة مشروخة، رغم أنه يمثل مطلبًا شعبيًا وضرورة وطنية وأمنية لا يمكن بناء دولة مستقرة من دون تحقيقها. إن مشكلة السلاح في العراق لم تعد قضية قانونية فحسب، بل أصبحت قضية سياسية وسيادية بامتياز، بسبب وجود فصائل مسلحة ترفض التخلي عن سلاحها، فيما ترتبط أجزاء منها سياسيًا وعسكريًا بأجندات خارجية، الأمر الذي جعل هذا الملف ورقة ضغط داخلية وخارجية بدل أن يكون قضية دولة تحسمها مؤسساتها الدستورية. في العراق، لا يمكن التعامل مع قضية السلاح وكأنها مشكلة مجموعات مسلحة منفلتة لا علاقة لها بمؤسسات الدولة؛ فالفصائل التي توصف بأنها «مقاومة إسلامية» تعمل في إطار الحشد الشعبي، وهو تشكيل رسمي تتولى الدولة تمويله وتسليحه ورواتب منتسبيه، ويفترض دستوريًا وقانونيًا أن يخضع لسلطة الدولة ولقرارات القائد العام للقوات المسلحة. لكن المشكلة تبدأ عندما تعلن بعض هذه الفصائل رفضها تسليم سلاحها أو الالتزام الكامل بقرار الدولة، وتعلن في الوقت نفسه ارتباطها بمشروع أو محور إقليمي، الأمر الذي يجعل وجود السلاح خارج القرار الوطني خطرًا مباشرًا على سيادة العراق واستقلال قراره السياسي والعسكري. وقد تسبب هذا الواقع في إحراج الحكومة العراقية في أكثر من مناسبة، عندما استُخدمت الأراضي العراقية لتنفيذ هجمات أو إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه أهداف داخل العراق أو خارجه، بما يعرّض البلاد لمخاطر أمنية وسياسية ويضع الحكومة أمام مسؤوليات لا تستطيع التحكم بجميع أسبابها. الحكومة العراقية لا تفتقر، من حيث المبدأ، إلى الصلاحيات الدستورية والقانونية التي تمكنها من فرض سلطة الدولة على السلاح والقوات المسلحة. المشكلة الحقيقية تكمن في الإرادة السياسية وقدرة الحكومة على اتخاذ القرار وتنفيذه بعيدًا عن تأثير القوى الخارجية والضغوط السياسية الداخلية. ولعل ما نُشر في وسائل الإعلام بشأن زيارة قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني إلى بغداد في 10 آب 2026، وما نُسب إليه من مواقف رافضة لحصر السلاح بيد الدولة خلال لقاءاته مع قيادات سياسية وأمنية، يعكس مرة أخرى مدى حساسية هذا الملف وتشابكه مع النفوذ الإقليمي. وهنا يبرز السؤال الحقيقي: هل قرار حصر السلاح بيد الدولة قرار عراقي تتخذه مؤسسات الدولة، أم قرار ينتظر موافقة أطراف خارجية؟ إذا كانت الدولة هي صاحبة السيادة، فإن الإجابة يفترض أن تكون واضحة: القرار عراقي، والتنفيذ عراقي، والمرجعية الوحيدة للقوات المسلحة هي الدولة. حصر السلاح بيد الدولة لا يحتاج إلى إطالة المفاوضات أو انتظار قانون جديد كي تبدأ الحكومة بتنفيذ واجباتها الدستورية والقانونية. المطلوب أولًا قرار سياسي وطني واضح يؤكد أن أي قوة مسلحة تعمل داخل العراق لا بد أن تكون خاضعة بصورة كاملة إلى الدولة وقيادة القوات المسلحة، وأن لا يكون لأي جهة سياسية أو دينية أو خارجية قرار مستقل في استخدام السلاح. وبعبارة أكثر وضوحًا، يمكن اختصار جوهر القرار في سطر واحد ((لا سلاح خارج مؤسسات الدولة، ولا قرار عسكري خارج قرار القائد العام للقوات المسلحة)) إن إبقاء ملف السلاح مفتوحًا من دون حل جذري يعني استمرار حالة ازدواجية القوة والقرار، ويجعل الحكومة عاجزة عن حماية سيادة البلاد بصورة كاملة، كما يضعف ثقة المواطن بالدولة ويعرقل أي مشروع حقيقي للإصلاح السياسي والأمني.وقد أثبتت الأحداث السابقة خطورة وجود سلاح لا يخضع بصورة كاملة لقرار الدولة، بما في ذلك استهداف منزل رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي في المنطقة الخضراء بطائرات مسيّرة، فضلًا عن الهجمات التي استهدفت إقليم كردستان وأهدافًا حيوية داخل العراق، والهجمات التي طالت دولًا عربية مجاورة، وما نتج عنها من تداعيات على الأمن والسيادة والعلاقات الخارجية للعراق.لا يمكن بناء دولة قوية في ظل تعدد مراكز القوة العسكرية. الدولة الحديثة لا يمكن أن يكون فيها جيش رسمي، وبموازاته قوى مسلحة تمتلك قرار الحرب والسلم أو تحدد متى تستخدم السلاح وأين وضد من. العراق لا يحتاج إلى جيوش متعددة الولاءات، وإنما يحتاج إلى جيش وطني واحد، قوي ومحترف، يمتلك القدرة على حماية حدوده وسيادته وأمن مواطنيه، وإلى مؤسسات أمنية تعمل وفق الدستور والقانون، لا وفق الولاءات السياسية أو الإقليمية. إن حصر السلاح بيد الدولة ليس مطلبًا ضد فئة أو طائفة أو مكوّن، وإنما هو شرط أساسي لبناء الدولة العراقية الحديثة.أما استمرار السلاح خارج القرار الوطني، فهو يعني ببساطة استمرار الدولة منقوصة السيادة. ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس شعارًا جديدًا ولا لجنة جديدة ولا مفاوضات لا تنتهي، وإنما قرار وطني شجاع ينهي ازدواجية السلاح والقرار، ويعيد للدولة وحدها حق استخدام القوة وحماية العراق والدفاع عن سيادته.فلا دولة قوية بسلاح متعدد الولاءات، ولا سيادة حقيقية من دون احتكار الدولة للسلاح والقرار.
حصر السلاح بيد الدولة لا يحتاج إلى قانون.. بل إلى قرار وطني بسطر واحد
آخر تحديث:
سعد الكناني











































