عندما يتحول الانسان (اي انسان في شرق الارض او غربها) من انسان ذو تفكير الى شخص مستهلك اعلم ان هذه هي بداية التفاهة. حيث ليس هناك اخطر ما يواجه المجتمعات ان يقل عدد الكفاءات، بل ان تصبح الكفاءة عبئا” والاستقلال في الراي تهمة، والتفكير النقدي سلوكا” غير مرغوب فيه، وهذه هي الفكرة التي طرحها الفيلسوف الكندي (الان دونو) عام 2015 في كتابه الذائع الصيت (نظام التفاهة) حيث ان الفكرة الاساسية للكتاب تتمحور حول ان بعض المؤسسات والمجتمعات قد تصل الى مرحلة يصبح فيها الاشخاص متوسطو الكفاءة او محدودو الفكر هم الاكثر وصولا” الى المناصب والنفوذ بينما يهمش اصحاب الكفاءة والاستقلالية. ويعرف المفكر الكندي التفاهة بانها ليست قلة في الذكاء بل هي صفات مجتمعة ومترابطة مع بعضها البعض تتمثل في (تجنب التفكير النقدي وتنفيذ الاوامر دون نقاش والاهتمام بالمظهر اكثر من الجوهر وكذلك السعي الى المنصب والمصلحة الشخصية بدلا” عن خدمة المجتمع وتفضيل المجاملة والولاء على الكفاءة والنزاهة) هذه هي صفات النظام ،ولكن هنا يتوارد الى الذهن تسأول حول انتشار هذا النظام وبكثرة مع التوسع الكبير في وسائل التواصل الاجتماعي والتي عززت وبصورة كبيرة في تمددهذا النظام وساهمت بصورة كبيرة في ترسيخ قواعده الاساسية، هو بالحقيقة ينتشر وبكثرة في المؤسسات الحكومية والشركات والجامعات ووسائل الاعلام وطبعا” في الحياة السياسية، ومن المهم الاشارة الى ان نظام التفاهة ليس نظرية علمية مثبتة بل هو تحليل فلسفي اجتماعي ينتقد اليات العمل في بعض المؤسسات والمجتمعات، وقد لاقى رواجا” لانه وجد صدى لدى الكثير، وعلى فكرة هو منتشر بكثرة في مجتمعاتنا الشرقية، والعراق كجزء من الحالة انتشر فيه كسرعة انتشار النار في الهشيم، حيث هنالك مؤشرات اكاد اجزم على وجودها من حيث ان المجتمع العراقي يعاني من اساسيات وقواعد هذا النظام وهي النقاط الخمسة التالية:
لقد تسلق التافهون المراكز التي اعدت لهم واصبحوا شخصيات متنفذة تنتشر هنا وهناك، وحسب مبادئ هذا النظام الجديد واظن ان العمل به بدأ منذ فترة وهو يحضر وبقوة للاجيال القادمة ليتحكموا بالعقول ، انه بالحقيقة يكون تحت شعار (ممنوع تفكر… وكذلك ممنوع تسأل؟) لذا بعد فترة من الزمن (وان كانت هي كما اشرنا في بداياتها الاولى) ستكون هي الغالبة في المجتمعات، وبصراحة ذا نظرنا الى واقعنا الحالي نفهم ان بوادر هذا المخطط والوباء اصبحت سارية المفعول وكما بينت في النقاط الخمسة اعلاه. لقد كان كتاب المفكر (الان دونو) صرخة تحذيرية لما يتجه اليه النظام العالمي الحديث، حيث ان المؤلف يرى ان صعود التافهين (وما اكثرهم) في السياسة والاقتصاد والاعلام والجامعات لم يكن وليد الصدفة بل نتاج منظومة كاملة تقصي الكفاءات الحقيقية وتكافئ الرداءة فالشركات الكبرى والانظمة الحالية لا تبحث عن المفكريين الحقيقين او المبدعين بل تبحث وفق ما وصفه المؤلف عن (الخبير الممتثل) الذي لا يطرح اسئلة مزعجة ويتقن لغة خشبية بلا روح، وقد اكدت نظرية (نظام التفاهة) على معادلة مرعبة وهي لكي تنجح لا تكن بارعا” جدا” فالعبقرية مخيفة، ولا تكن غبيا” جدا” فاغباء معطل بل كن متوسطا” ممتثلا” مطيعا”. لقد تبين ان خطر نظام التفاهة لا يكمن في صعود اشخاص محدودي الكفاءة فحسب بل في تحول التفاهة الى معيار اساسي ويقاس به النجاح، حتى يصبح الصوت الاعلى اقوى من الفكرة والشهرة اهم من المعرفة ، وعندما تُهمش الكفاءات ويحتفى بالسطحية تبدأ المجتمعات بخسارة اثمن ما تملك (العقل والوعي والقدرة على التمييز). ان مقاومة هذا النظام لا تكون بالشعارات وانما بأحياء قيمة العلم، واحترام اهل الاختصاص وترسخ ثقافة النقد الواعي، فالامم لا تنهض حين تتصدرها التفاهة بل بتمكين اصحاب العقول النيرة النزيهة والضمير الحي من نيل استحاقهم الطبيعي لخدمة المجتمع، والقضاء على عصر التفاهة ووأده قبل ان يستفحل ، فبالعقول تبنى الاوطان، وبالتفاهة تنهار الحضارات.











































