حين يُذكر الفساد، ينصرف الذهن غالباً إلى حجم الأموال المهدورة أو عدد القضايا التي تكشفها وسائل الإعلام. غير أن القيمة الحقيقية لأي دولة لا تُقاس بغياب الفساد، فذلك أمر لم تحققه أي دولة في العالم، بل تُقاس بقدرتها على كشفه ومواجهته دون تردد، وبمدى خضوع أصحاب النفوذ للقانون قبل غيرهم. ومن هذا المنطلق، تأتي المقارنة بين العراق وكندا، لا للبحث عن دولة مثالية، وإنما لفهم الدور الحاسم الذي تؤديه المؤسسات في منع الفساد من التحول من حالات فردية إلى منظومة تُدار بها شؤون الدولة. وانطلاقاً من ذلك، فإن السؤال الجوهري ليس: هل يوجد فساد في العراق وكندا؟ فالإجابة البديهية هي نعم، لأن الفساد ظاهرة إنسانية رافقت المجتمعات منذ نشوء الدولة، وتجلّت بأشكال مختلفة في الأنظمة الديمقراطية والاستبدادية على حد سواء. وإنما السؤال الأهم هو: أين يتموضع الفساد داخل هرم السلطة؟ وهل تمتلك الدولة مؤسسات قادرة على كشفه ومحاسبة مرتكبيه، مهما كانت مواقعهم ونفوذهم؟ هنا يكمن الفارق الحقيقي بين الدول؛ ليس في وجود حالات فساد أو غيابها، بل في قدرة مؤسساتها على منع الفساد من التغلغل في بنية الدولة، وعلى إخضاع الجميع لسيادة القانون دون استثناء. في الدول التي تتمتع بمؤسسات دستورية راسخة، مثل كندا، قد تظهر قضايا تتعلق بتضارب المصالح أو إساءة استخدام السلطة أو استغلال النفوذ، وقد يكون المتورط فيها وزير أو نائب أو حتى رئيس حكومة. غير أن هذه القضايا تبقى استثناءً لا قاعدة، لأنها تصطدم بجدار من المؤسسات المستقلة التي لا تتوقف عند اسم المسؤول أو مكانته السياسية. فالسلطة القضائية مستقلة، وأجهزة الرقابة تتمتع بصلاحيات قانونية حقيقية، والإعلام الحر قادر على كشف التجاوزات دون خوف، والبرلمان يمارس دوره الرقابي، كما أن المجتمع المدني يراقب الأداء الحكومي باستمرار. لذلك، فإن اكتشاف قضية فساد لا يُنظر إليه باعتباره دليلاً على انهيار الدولة، بل يُعد دليلاً على أن آليات الرقابة ما زالت تعمل، وأن النظام يمتلك القدرة على تصحيح أخطائه. أما في العراق، فإن المشكلة، كما تشير إليها تقارير دولية عديدة، لا تكمن في وجود حالات فساد فحسب، وإنما في تحول الفساد، في نظر كثير من المراقبين، إلى تحدٍ مؤسسي يؤثر في مستويات عليا من الإدارة العامة. وعندما يصبح أصحاب القرار أنفسهم جزءاً من منظومة المصالح السياسية والاقتصادية، فإن أجهزة الرقابة تفقد جانباً كبيراً من استقلاليتها، ويتراجع تأثير القانون أمام النفوذ السياسي والحزبي. إن أخطر أنواع الفساد ليس ذلك الذي يرتكبه موظف صغير لقاء رشوة محدودة، بل الفساد الذي يبدأ من قمة هرم السلطة. فالرأس عندما يفسد، تنتقل العدوى إلى بقية الجسد. وعندما يرى الموظف أن كبار المسؤولين لا يخضعون للمساءلة، تتراجع هيبة القانون، ويصبح الالتزام بالنزاهة استثناءً لا قاعدة. ومن هنا يبدأ ما يمكن تسميته بـ“سلسلة العدوى المؤسسية“. فالفساد في المستويات العليا لا يبقى محصوراً داخل مكاتب الوزراء أو كبار المسؤولين، بل يمتد تدريجياً إلى جميع مفاصل الدولة. فهو يؤثر في منح العقود الحكومية، وتوزيع الموارد العامة، وإدارة المشاريع، والتعيينات، وفرص الاستثمار، وحتى في مؤسسات التعليم والثقافة والإعلام. وعندما تصبح الوظيفة العامة وسيلة للمكافأة السياسية، ويصبح الولاء أهم من الكفاءة، تبدأ المؤسسات بفقدان استقلالها وقدرتها على أداء وظائفها الأساسية. ومع مرور الوقت، تتحول الإدارة العامة إلى شبكة من المصالح المتداخلة، ويصبح اتخاذ القرار خاضعاً للاعتبارات السياسية أكثر من المصلحة العامة. ولهذا السبب، فإن الحديث عن إصلاح التعليم أو الصحة أو الاقتصاد أو الثقافة، بمعزل عن إصلاح بنية الدولة نفسها، يظل حديثاً ناقصاً. فهذه القطاعات ليست جزراً منفصلة، وإنما تعكس طبيعة النظام الإداري والسياسي الذي يديرها. ولا يمكن لجامعة أن تزدهر في ظل نظام تعيين غير قائم على الكفاءة، ولا يمكن لاقتصاد أن يجذب الاستثمار في بيئة يغيب فيها اليقين القانوني، ولا يمكن للإعلام أن يؤدي دوره الرقابي إذا كان خاضعاً لضغوط السلطة أو المصالح الحزبية. كما أن الفساد لا يقتصر أثره على الاقتصاد وحده، بل يترك آثاراً عميقة على البنية الاجتماعية والنفسية للمجتمع. فهو يضعف ثقة المواطن بالدولة، ويقنع الشباب بأن النجاح يتحقق عبر العلاقات والوساطات أكثر مما يتحقق بالاجتهاد والكفاءة. وعندما يفقد المواطن ثقته بعدالة المؤسسات، تتآكل فكرة المواطنة نفسها، ويتراجع الإيمان بأن القانون هو المرجعية العليا للجميع. وفي المقابل، فإن كندا، رغم مكانتها المتقدمة في مؤشرات النزاهة، ليست دولة مثالية، ولم تدّعِ ذلك يوماً. فقد شهدت خلال العقود الماضية قضايا تتعلق بتضارب المصالح أو تمويل الحملات الانتخابية أو إساءة استخدام السلطة. لكن الفارق الجوهري أن هذه القضايا لم تُخفَ تحت غطاء النفوذ السياسي، بل خضعت لتحقيقات مستقلة، وناقشها الإعلام بحرية، وأدت في بعض الحالات إلى استقالات، أو فرض عقوبات، أو تعديل تشريعات لمنع تكرارها. وهذا هو جوهر الدولة المؤسسية: ليست الدولة التي لا تخطئ، بل الدولة التي تمتلك القدرة على الاعتراف بخطئها، وكشفه، وتصحيحه، ومحاسبة المسؤول عنه، أياً كان موقعه. وتؤكد بيانات مؤشر مدركات الفساد 2024 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية أن العراق ما يزال يواجه تحديات كبيرة في هذا المجال، إذ حصل على 26 نقطة من أصل 100 واحتل المرتبة 140 من أصل 180 دولة، بينما حصلت كندا على 75 نقطة واحتلت المرتبة 15 عالمياً. ولا تعني هذه الأرقام أن الفساد غير موجود في كندا، بل تعكس أن مؤسساتها تُعد أكثر قدرة على الحد من فساد القطاع العام وأكثر استقلالاً في محاسبة المسؤولين، وأكثر شفافية في إدارة الشأن العام. ومن المهم التذكير بأن هذه المؤشرات تقيس تصورات خبراء ورجال أعمال بشأن مستوى فساد القطاع العام، ولا تُعد إحصاءً مباشراً لجميع حالات الفساد. ومع ذلك، فإنها تظل من أكثر المؤشرات الدولية اعتماداً في تقييم نزاهة المؤسسات الحكومية. إن قوة الدولة لا تُقاس بعدد القوانين المكتوبة في الدستور أو حجم الأجهزة الرقابية التي تمتلكها، وإنما بقدرتها على تطبيق القانون على الجميع دون تمييز. فالقانون يفقد قيمته عندما يُطبق على الضعفاء ويُعطل أمام أصحاب النفوذ. أما عندما يخضع أصغر موظف وأعلى مسؤول للمعيار القانوني نفسه، فإن الثقة بالمؤسسات تبدأ بالتشكل، ويتحول الفساد إلى استثناء يخشاه الجميع، لا إلى ممارسة يتوقعها الجميع. ومن هنا، فإن مستقبل العراق لا يتوقف على كشف المزيد من ملفات الفساد فحسب، لأن كشف الملفات لا يكفي إذا لم تتبعه محاسبة حقيقية وإصلاح مؤسسي دائم. فالإصلاح يبدأ ببناء قضاء مستقل، وأجهزة رقابة محصنة من التدخل السياسي، وإدارة عامة تقوم على الكفاءة، وتشريعات تضمن الشفافية وتكافؤ الفرص، وثقافة سياسية تؤمن بأن المنصب العام تكليف لا امتياز. إن الدول لا تنهض لأن حكامها ملائكة، بل لأنها تبني أنظمة تجعل أي مسؤول، مهما علا منصبه، خاضعاً للمساءلة، وتجعل المؤسسات أقوى من الأشخاص. وفي النهاية، فإن الفرق الحقيقي بين العراق وكندا لا يكمن في أن الأولى تعرف الفساد والثانية لا تعرفه، بل في أن الدولة القوية تجعل الفساد حالة استثنائية تواجهها بالقانون، بينما يؤدي ضعف المؤسسات إلى تحويل الفساد إلى نمط إدارة، وإلى ثقافة تتغلغل في مفاصل الدولة والمجتمع. ومن هنا تبدأ رحلة الإصلاح الحقيقية: ليس باستبدال الأشخاص وحدهم، بل ببناء دولة تكون فيها المؤسسات أقوى من السلطة، والقانون أعلى من الجميع، والمساءلة قاعدة لا استثناء.
عندما يفسد الرأس… يمرض الجسد: لماذا يختلف الفساد في العراق عن كندا؟
آخر تحديث:
جورج منصور











































