يؤطّر هذا التصريح , بأن ظاهرة الفساد في العراق بوصفها منظومة بنيوية متجذرة ومتكاملة الأركان، مما يرسخ لدى الرأي العام إدراك تعقيدات مواجهتها وصعوبة استئصالها . غير أنه يؤكد في الوقت ذاته أن التصدي لها يظل ضرورة حتمية ترقى إلى مرتبة الواجب السياسي والأخلاقي، الذي يجب أن يستقر في وجدان وضمير كافة المتولين لمواقع المسؤولية . ويعلّق الآمال على أن يؤدي هذا الالتزام الجماعي إلى تمهيد المسار نحو مستقبل أكثر إشراقاً للمواطن ، بعد عقود من التدهور المعيشي الذي تجلّى في استشراء الفقر والمرض ، وتداعي الخدمات الصحية، وتراكم الأزمات الإنسانية. تصريح رئيس الوزراء لم تكن مجرد كلمات وجمل وعبارات عابرة، بل هو نافذة فتحها لنا لغرض ان نطل على حقيقة الصراع الداخلي بين الدولة ومنظوماتها المتكلسة، إنها لحظة انكشاف المستور، ولحظة سقوط الأقنعة.حين يعترف رأس السلطة بوجود منظومة فساد متجذّرة، فهذا لا يُحسب له بقدر ما يُحسب على النظام السياسي نفسه، فالاعتراف هنا إعلان رسمي بأن الدولة لم تعد قادرة على إخفاء ما يعرفه المواطن منذ سنوات طويلة. كيف يمكن الحديث عن “استحقاق انتخابي” في بلد يعترف رئيس حكومته بأن الفساد متجذّر؟ وكيف يمكن إقناع المواطن بأن صوته الانتخابي يصنع فرقًا ؟ بينما منظومة شبكات الفساد الحزبية التي تلتهم الدولة ما تزال قائمة، محمية، ومحصّنة من أي مسائلة قضائية؟ في المشهد السياسي العراقي، نادرًا ما تتقاطع لحظة الاعتراف مع لحظة المكاشفة العلنية. لكن تصريح رئيس الوزراء العراقي بأن:”محاربة منظومة الفساد المتجذّرة ليست سهلة، لكن التراجع عنها أمر معيب” يفتح لنا بابًا كان موصود بأقفال عصية على الفتح من قبل , فلم يكن هذا الباب مفتوحًا بهذا الوضوح من قبلة .هذا التصريح المهم وعلى الرغم من بساطته الظاهرية، يحمل في طياته ما يشبه خلطة العطّار : ” مزيجًا من الحقيقة، والرمزية، والرسائل السياسية التي تتجاوز حدود الجملة المنطوقة وحتى السخرية من خلال ابتسامته الضاحكة . لم يكن اجتماع رئيس الوزراء السيد ” علي الزيدي ” في ديوان الرقابة المالية الاتحادي مجرد لقاء بروتوكولي عابر بل نحن نراه بصورة مغايرة كليا وأشبه ما يكون بـ “محكمة علنية” ولكن من دون قضاة ، جلس فيها رأس السلطة ليقدّم شهادة خطيرة مفادها : ” الدولة مخترقة، الفساد متجذّر، العقود تُكتب جميلة على الورق ولكنها تتحول إلى خراب على الأرض، والمال العام يتبخر أمام أعين الجميع ونحن نقف متفرجين ” فالابتسامة الضاحكة في لحظة الحديث عن الفساد ليست مجرد تعبير وجهي، بل هي رسالة سياسية غير منطوقة، تكشف — للمختصين وحتى لمن يجيد قراءة الوجوه — أن السيد “الزيدي” يتحدث عن منظومة يعرف تفاصيلها، ويعرف جذورها، ويعرف اللاعبين الكبار فيها ، ويعرف كيف تعمل، وكيف تتغذّى ، وكيف تتوسّع . وهذا ليس غريبًا على رجلٍ ابن الاقتصاد العراقي، نشأ في بيئة الأعمال، وراكم خبرة طويلة في عالم الشركات التجارية، وبنى إمبراطورية اقتصادية تمتد عبر عقود ضخمة مع وزارات حساسة، ليس أقلها وزارة التجارة ووزارة الدفاع، ولعلّ ما يجعل الابتسامة أكثر إثارة للتساؤل هو أن شركاته التجارية — بحسب ما هو متداول — ما تزال تطالب الدولة بمبالغ مالية ضخمة تصل إلى “ملياري دولار” لم تُسدّد لغاية الآن. وهنا يصبح المشهد أكثر تعقيدًا : ” رئيس وزراء يتحدث عن الفساد، يبتسم وهو يصفه، وفي الوقت نفسه يمتلك شركات لها عقود حكومية كبيرة، ولها ديون غير مسددة لدى الدولة “هذه المفارقة تفتح الباب أمام قراءة استقصائية أعمق: ” فهل كان السيد الزيدي يبتسم لأنه يعرف أن الفساد متجذّر؟ أم لأنه يدرك أن محاربته ستصطدم بشبكات مصالح هائلة؟ أم لأن الابتسامة كانت محاولة لتمرير رسالة مفادها أنه ليس خائفًا من فتح الملفات؟ أم أنها ابتسامة رجلٍ يعرف أن المعركة ليست فقط ضد الآخرين، بل ضد بنية اقتصادية–سياسية هو نفسه كان جزء من تاريخها؟” لغة الجسد هنا ليست تفصيلاً ثانويًا، بل هي مفتاح لفهم السياق. فالابتسامة في لحظة الحديث عن الفساد ليست مجرد حركة عضلية، بل هي علامة على صراع داخلي بين الدور السياسي الذي يؤديه السيد “الزيدي”، والدور الاقتصادي الذي عاشه لسنوات طويلة، وبين موقعه الحالي كرئيس وزراء، وموقعه السابق كرجل أعمال يمتلك شبكة علاقات واسعة داخل الدولة؟ لان قراءة تعابير الوجوه في السياسة ليست ترفًا، بل هي جزء من التحقيق الاستقصائي، لأنها تكشف ما لا تقوله الكلمات، وتفضح ما يحاول الخطاب الرسمي إخفاءه، وتمنحنا نافذة لفهم ما يجري خلف الكواليس، حيث تتقاطع المصالح، وتتداخل الأدوار، وتتشابك العلاقات بين السلطة والمال. تُظهر الوثائق والتقارير الرقابية أن المحاصصة لم تكن مجرد توزيع مناصب بين القوى السياسية، بل تحوّلت إلى اقتصاديات حزبية كاملة، تمتلك شركات، ومكاتب اقتصادية، وواجهات تجارية، وتستحوذ على العقود الحكومية، وتفرض الاستثناءات، وتتحكم بالاستثمارات، وتعيد تدوير الأموال عبر شبكات غسيل منظمة , وهذا ليس تحليلًا سياسيًا، بل كلام رئيس الوزراء نفسه، موثّقًا في الاجتماع الذي شاهدناه , وهنا تبدأ القصة… قصة دولة تعترف بأنها عاجزة، وأن منظومتها الرقابية ليست درعًا بل آخر ما تبقى من جدار هشّ يحاول منع الانهيار الكامل. منذ الدقيقة الأولى، يبدأ رئيس الوزراء بالاعتذار للحضور لأنهم قطعوا يوم راحتهم ؟ لكن الحقيقة أن ما قُطع ليس يوم الراحة، بل وهم الراحة الذي عاشته الدولة لسنوات، وهي تتظاهر بأن الأمور تحت السيطرة ومن ثم ينتقل مباشرة إلى جوهر الاجتماع , ليس لمناقشة ورقة أو عقد، بل لمناقشة مستقبل الدولة وهذه الجملة وحدها كافية لفهم حجم الأزمة ؟ فحين يصبح العقد مدرسة أو مستشفى أو طريقًا سيستخدمه أولادنا بعد 20 سنة، فإن أي خلل فيه — كما قال — هو دين في رقاب الجميع ولكن تعال معي أيها المواطن المغلوب على أمرك , من الذي صنع هذا الدين؟ ومن الذي سمح للخلل أن يصبح قاعدة ؟ ومن الذي ترك العقود تُكتب جميلة على الورق بينما تتحول على الأرض إلى خراب؟ الجواب يأتي لاحقًا… بصوت رئيس الوزراء نفسه ؟ الفساد ليس حادثًا عابرا يمكن تحجيمه من خلال الرقابة … بل هو في حقيقة الأمر هندسة مبتكرة لمنظومة كاملة تغلغلت طوال أكثر من عقدين في جميع مفاصل ومؤسسات المنظومة الحكومية. في الدقيقة 2:18، يقول رئيس الوزراء بوضوح وصراحة :” أكو مغالاة بالكلف … أساس الفساد هو المغالاة بالكلف , مو 400% و5% … ماكو هيج ربح ” فهذه نقرأها ونحللها بأنها ليست جملة عابرة ولكن هذه في حقيقة الأمر إدانة صريحة لسنوات من العقود التي تضخمت فيها الكلف بشكل فاحش ، حتى أصبحت المشاريع الخدمية والتنموية مجرد بوابات لنهب المال العام ؟ فحين يقول رئيس الوزراء إن الربح يجب أن يكون «وفق حدود المعقول»، فهو يعترف ضمنيًا بأن الربح في الدولة كان غير معقول، غير منطقي، وغير أخلاقي. هنا تظهر الحقيقة التي حاولت الدولة إخفاءها لسنوات: الفساد ليس مجرد موظف مرتشٍ، بل منظومة كاملة تعمل بتخادم، كما قال في الدقيقة 3:34 أحيانًا يكون تخادم بالفساد… بدون هذا التدقيق يصبح العقد مجرد حبر على ورق والمال العام يتبخر ” هذه الجملة وحدها تكفي لكتابة كتاب كامل عن انهيار منظومة الدولة وما وصلت إليه ؟ فلم يكن تصريح رئيس الوزراء بأن :” محاربة منظومة الفساد المتجذّرة ليست سهلة، لكن التراجع عنها أمر معيب ” مجرد جملة عابرة في مقطع قصير , بل كان أشبه بصفارة إنذار تصدح من داخل السلطة نفسها، معلنة أن ما كان يُدار خلف الأبواب المغلقة أصبح اليوم واقعًا لا يمكن تجميله أو تغطيته بخطابات الإنجاز , فالفساد، كما قال، “متجذّر” وهذه الكلمة وحدها كافية لنسف سنوات من الخطاب الرسمي الذي حاول إقناع الناس بأن المشكلة مجرد “ملفات” أو “تجاوزات فردية ” لا، والف لا , لأنها ليست كذلك , إنها منظومة كاملة، متشابكة، محمية، وممتدة في كل مفصل من مفاصل الدولة. المال العام … يُسرق أمام أعين الجميع … في الدقيقة 4:39، يقول رئيس الوزراء: ” ناس يداومون في مؤسسات الدولة يسرقون … وإحنا نباوع عليهم “هذا ليست مجرد اعتراف صريح ورسمي ؟ هذه فضيحة سياسية بكل معنى الكلمة ؟ فحين يعترف رأس السلطة بأن موظفين يسرقون بينما الدولة ” تباوع عليهم ” ، فهذا يعني بأن : ” الرقابة مشلولة والقانون والقضاء عاجز ومشلول عن محاسبتهم و المؤسسات مخترقة والدولة تعرف ولكنها لا تفعل شيئًا ” وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد فساد: هل نحن اليوم أصبحنا حقا أمام دولة تحارب الفساد؟ أم أمام دولة تتعايش معه ومن دون تعديها للخطوط الحمراء التي رسمتها الأحزاب السلطة الحاكمة ؟. الشعب ليس مترفًا… والدولة تعرف ذلك , في الدقيقة 5:01، يقول رئيس الوزراء : ” هاي الأموال اللي نديرها … أموال الناس اللي ما عنده بيت واللي ما عنده علاج… والشعب العراقي مو شعب غني لو مترف ” وهذه الجملة تكشف لنا المأساة المضاعفة التي ما يزال يعيشها المواطن العراقي ؟ الدولة تعرف أن الشعب يعاني، تعرف أن الفقر منتشر، تعرف أن الخدمات منهارة… ومع ذلك، المال العام يتبخر، العقود تتضخم، والفساد يتجذّر و هذا ليس مجرد خلل إداري طارئ يمكن تلافيه ؟ فهذا فشل أخلاقي وسياسي؟ . المحاصصة الطائفية لإدارة منظومة الحكم … الشبح الذي ظهر لنا أخيرًا في الدقيقة 6:09، جسِّد هذا التصريح نظام المحاصصة الطائفية في إدارة الحكم بوصفه بنيةً مؤسسيةً مصطنعةً، كاشفاً عن حقيقتها كمنتجٍ بشريٍ خالصٍ لهندسةٍ سياسيةٍ متعمدةٍ، لا كقوى غيبية أو قدرٍ حتميٍ . وبذلك، يزيل التصريح اللبس عن طبيعة هذه الآلية، مؤكداً أنها من صُنع الفاعلين السياسيين ومسؤولياتهم المباشرة، مما يستدعي مقاربتها تحليلياً كإشكاليةٍ هيكليةٍ ناتجةٍ عن خياراتٍ بشريةٍ قابلةٍ للنقد والتعديل، بدلاً من توصيفها كظاهرةٍ ميتافيزيقيةٍ مستعصيةٍ , يقول رئيس الوزراء : ” ما نريد الديوان يكون به محاصصة… نريد يكون مهني ” وهذه الجملة هي المفتاح الذي عثرنا عليه أو الذي قادنا اليه رئيس الوزراء بالعثور عليه :” فحين يقول ( ما نريد ) ، فهذا يعني أن المحاصصة الطائفية موجودة , وأنها وصلت إلى ديوان الرقابة المالية نفسه، المؤسسة التي يُفترض أن تكون آخر حصن منيع للدولة فإذا كانت الرقابة نفسها مهددة بالمحاصصة، فكيف يمكن محاربة الفساد؟ وكيف يمكن حماية المال العام؟ وكيف يمكن بناء دولة؟ والجواب الواضح والذي نعتقده : لا يمكن ؟. الاعتراف هنا سيد الأدلة التي كان وما يزال يبحث عنها المواطن , فهذا الاعتراف ليس إصلاحًا … بل قد يكون بداية الانهيار , لان الاعتراف بالفساد المتجذّر ليس خطوة إصلاحية , بل هو إعلان رسمي بأن الدولة وصلت إلى مرحلة لا تستطيع فيها إخفاء الحقيقة , لان حين يقول رئيس الوزراء:” الفساد منظومة متجذرة … ومحاربته مو سهلة … بس التراجع عنها معيب”فهو يعترف لنا بأن : ” الفساد أقوى من الدولة ومنظومته أعمق من المؤسسات والمعركة ليست تقنية بل سياسية والإصلاح ليس قرارًا سياديا بل صراعًا مع منظومة الدولة العميقة التي تتحكم من خلف الستار ؟ وهذا الاعتراف، مهما بدا لنا شجاعًا، هو في الحقيقة إعلان هزيمة مؤقتة أمام منظومة أكبر من الحكومة نفسها .الاجتماع لم يكن لقاءً إداريًا , بل كان جلسة اعتراف علنية بأن الدولة تعيش في قلب منظومة فساد متجذّرة، وأن المحاصصة تهدد حتى ديوان الرقابة المالية الاتحادية ، وأن المال العام يُسرق أمام أعين الجميع، وأن العقود تتحول إلى حبر على ورق، وأن الشعب يدفع الثمن. يُعدّ تصريح السيد رئيس الوزراء باعتباره لحظة مفصلية تتسم بالجرأة السياسية النادرة، إذ شكّلت في جوهرها عملية ‘كشف مستور’ البنية الفاسدة . ونرى بانه يسعى هذا التصريح إلى تفكيك ستار الإيهام الذي خلّفه عقدين من الخطابات الرسمية ، والتي استندت إلى سرديات وهمية من قبيل “الاستحقاق الانتخابي”، و”قدرة الدولة”، و “الإصلاح التدريجي”. وليؤكّد لنا بصورة جلية وبالتحليل أن الفساد في العراق ليس ظاهرة سطحية، بل هو نتاج منظومة متكاملة الأركان، تتجسّد في ‘المكاتب الاقتصادية’ التابعة لأحزاب الإسلام السياسي، والتي ما تزال فاعلةً حتى اليوم. وعليه، فإن استئصال الفساد لا يتأتى إلا عبر تفكيك هذه المنظومة الحاضنة له، وكسر احتكار الأحزاب الحاكمة لمفاصل الاقتصاد والدولة، تمهيداً لانتشال المواطن من دوامة الإهمال المزمن والفقر المنهك. ولأنّ الحقيقة لم تعد تُخفى، ولأنّ الفساد لم يعد يُوارى، ولأنّ الرأي العام يستحق رواية كاملة لا مجتزأة، نضع أمام الجميع هذا الحديث الذي يكشف ما تراكم في الدولة من خللٍ وتهالكٍ وتخادمٍ، ليكون التوثيق شاهدًا، والمتابعة دليلًا ، والجمهور حكمًا وعلى ما كان سابقا يجري خلف الأبواب والتي فُتحت أخيرًا على واقعٍ لم يعد يحتمل الصمت أجرى رئيس مجلس الوزراء السيد علي فالح الزيدي، اليوم الثلاثاء الموافق 4 آب 2026، زيارة إلى مقر ديوان الرقابة المالية الاتحادي، ترأس خلالها اجتماعاً مشتركاً ضمّ السادة؛ رئيس ديوان الرقابة المالية الاتحادي المحاسب القانوني ( د.عمار صبحي خلف) ، ورئيس هيأة النزاهة (د. محمد علي اللامي ) ، بحضور وزير المالية السيد ( فالح الساري)، خُصص لبحث آليات تعزيز الرقابة الوقائية وحماية المال العام وتطوير إجراءات تدقيق العقود الحكومية.
فتبسم ضاحكا رئيس الوزراء العراقي وحصحص الحق باعترافه بالفساد المتجذّر لتطيح بخرافة الاستحقاق الانتخابي ويعرّي دولة المحاصصة؟
آخر تحديث:
صباح البغدادي











































