سقوط الأوطان من الداخل بين غرناطة الامس وعراق اليوم

سقوط الأوطان من الداخل بين غرناطة الامس وعراق اليوم
آخر تحديث:
سعد العبادي
في أواخر القرن الخامس عشر لم تسقط الأندلس ببراعة سلاح أعدائها بل تفتتت من الداخل حين تعطلت العقول واستبدل الوطن بالزعماء كانت غرناطة تعيش أزمنتها الأخيرة ومجتمعها مشطور إلى جبهات متصارعة حيث رأت كل فئة أن الحق المطلق محصور في أميرها واصطف كل حي خلف بيت من بيوت النفوذ حتى أصبح الخلاف الداخلي هو الهوية والتاريخ انقسم الناس بحماس أعمى بين ولاء لأبي عبد الله الصغير ولائه لأبيه أبي الحسن وعمه الزغل في صراع لم يكن على رؤية تنقذ البلاد بل على تمكين الزعيم وكسر الشريك في الوطن وفيما كان العامة يندفعون لحماية رموزهم كان الملوك المتربصون ينظرون إلى هذا المشهد بحسابات باردة متسائلين عن الحاجة لخوض حرب مكلفة ضد مجتمع يتكفل بهدم نفسه بنفسه وهنا تجلت الممارسة التاريخية لشعار فرق تسد في أنصع صورها إذ لم يتردد ملك قشتالة في إرسال الدعم المالي والسلاح لأحد الأطراف ليقاتل عمه ويضعف جبهته الداخلية لينقلب عليه فور انتهاء مصلحته منه وفي خضم هذه اللعبة تحول ابن البلد والمذهب الواحد في نظر العامة إلى عدو أشد خطورة من القوة الخارجية المتربصة بالجميع دفعت التبعية الكلية كل شطر إلى الاستعانة بالخارج ليحمي موقعه ضد أخيه ظنا منه أنه يحقق نصرا سياسيا بينما كان في الحقيقة يوقع على وثيقة استعباده أدى هذا الانقسام إلى استنزاف طاقات المجتمع وإشاعة الإحباط حتى غدت السيطرة الخارجية مجرد تحصيل حاصل ودخل الأعداء غرناطة دون مقاومة تذكر لا لأنهم الأقوى بل لأن المجتمع المقابل كان قد أكل نفسه حتى النخاع وخدم الشعار الاستعماري بجهله وولائه الأعمى مجسدا الدرس الخالد بأن فرق تسد لا ينجح إلا إذا وجد أرضية يقدس فيها الناس الأشخاص على حساب المصير المشترك وحين يتكرر التاريخ بين ظهرانينا
إن الناظر في مرآة غرناطة الأمس لا يسعه إلا أن يبصر بوضوح واقع عراقنا اليوم وكأن الزمان يدور في الحلقة المفرغة ذاتها ليثبت أن الشعوب التي تستنسخ أخطاء الماضي محكوم عليها بالعيش في مرارته نعيش اليوم انقساما مجتمعيا يتجاوز حدود الاختلاف السياسي الطبيعي ليتغلغل في تفاصيل النسيج الاجتماعي حيث تجزأ العقول والولاءات وتتحول الجماعات إلى متاريس متواجهة يتبع فيها كل طرف زعيمه أو رمزه اتباعا أعمى يغيب فيه العقل والتفكير النقدي لقد أعدنا بعث الأسلوب الأندلسي نفسه إذ غدت الخصومة بين أبناء الوطن الواحد أشد ضراوة من الخطر الخارجي المحيط بالجميع وتلاشت المصلحة الوطنية الجامعة لحساب المكاسب الضيقة والتمكين الفئوي وفي خضم هذا الشقاق تجد القوى المتربصة برقعتنا التاريخية الساحة أسهل ما تكون للاختراق فلا حاجة اليوم لجيوش تحشد ولا لحروب تخاض طالما أن المبدأ الأثري فرق تسد ينفذ بأيدينا وأدواتنا المحلية ويستثمر فيه التجييش وتقديس الأشخاص ليبقى الوطن ممزق القرار ورهينا للإرادات الخارجية  إن الدرس الأعظم الذي ينبغي أن نعيه قبل فوات الأوان هو أن صنم الزعيم والولاء الفئوي الضيق هما الوهم الذي يقود نحو الهاوية وأن المخطط الخارجي لا ينجح إلا بجهل الداخل ولن ينكسر قيد فرق تسد إلا يوم أن يدرك الإنسان في هذه الأرض أن كرامته ومستقبله وازدهار وطنه أكبر من كل المسميات والعناوين التي تفرقه عن أخيه في المصير لايسعنا في ختام المقال الا ان نقول وبحرقة والم إن الأوطان لا تسقط حين تنكسر سيوفها على التخوم بل حين تنكسر ضمائر أبنائها في الداخل وتباع عقولهم في سوق الولاءات الرخيصة وإن التاريخ لا يرحم من يغمض عينيه عن العبرة ولا يمنح فرصة ثانية لمن يستلذ قيده فالرهان الحقيقي اليوم لم يعد على تحرير الأرض من الغريب بل على تحرير العقول من صنم الزعيم والعودة إلى كلمة سواء تجمع الشتات قبل أن تبكي النخلة كما بكت الرمانة من قبل على مجد أضاعه أهله بأيديهم .

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *