بعد ان انفجرت قضية المليارات (من الدينار والدولار) المدفونة والمحروقة تحت باطن الارض في المزارع والبيوت والعقارات الفارهة والعجلات الخيالية وغيرها من ملذات الدنيا والرفاهية المفرطة ومنها ما كشف عنه مؤخرا” من قضايا تورط فيها عدنان الجميلي وكيل وزارة النفط واخرى طالت مدير عام شركة توزيع كهرباء بغداد، فضلا” عن عشرات الملفات التي لا تزال خيوطها معقودة ومرتبطة مع بعضها ولم يُكشف عن كامل تفاصيلها بعد، ، وما سبقها من قضايا فساد مالي واداري كبير (وعلى سبيل المثال وليس الحصر) نور زهيروقضيته الكبرى والتي ما زالت خيوطها الخفية طي الكتمان، وحمدية الجاف وقضية مصرف التجارة العراقي، وقضية المدير الاسبق لهيئة الضرائب العامة….. وغيرها من القضايا الكبيرة المعلن عنها وغير المعلن والتي وردت منها اشارت هنا وهناك واضحة للعيان والتي اثارت المجتمع العراقي وجعلته يعيش في هزات وزلازل متتابعة وهو يعيش وسط ازمة اقتصادية متفجرة ويشهد نقص سيولة مالية اثرت بصورة او اخرى على الحياة اليومية للانسان العراقي البسيط اضافة الى انها القت بضلالها على بنية الدولة العراقية وكيانها، وكل ذلك كان نتيجة حتمية لحالات الفساد المستشري في اغلب وزارات الدولة ومشاريعها التشغيلية والاستثمارية، وسط حالة من الفوضى الاقتصادية وضياع اهداف المسار الحقيقي لحركة الاصلاح المنشود. غير ان الصورة لا تقف عند حدود تعثر خطوات الاصلاح وما اعلن عنه من فساد مالي مستشري بل تتجاوزه الى ما هو اشد خطرا” واعمق اثرا” والادهى والاكبر فسادا” ما تم الكشف عنه في الفترة الماضية من قضايا فساد مالي ورشاوي واستحواذ من دون وجه حق ارتبطت مع اعترافات عدنان الجميلي (وكيل وزارة النفط) والتي كانت حصيلتها الاولية (47) فاسدا” وفاسدة من ضمنهم رؤوساء كتل نيابية ونواب ووزراء ومسؤولين كبار لهم اسمائهم الرنانة في الحكومة، ووجوة مألوفة في الفضائيات العراقية لهم متبيناتهم في قضايا مكافحة الفساد يصدحون بها كل مساء. لقد اتضح ومن تجربة الحكم في العراق بعد سقوط النظام البائد ان الاحزاب الحاكمة او المشاركة في الحكم كأفراد او مجموعات وعلى جميع مسمياتهم وتوجهاتهم القومية او الدينية او المذهبية والسياسية، وفي خضم المشهد السياسي وواقعه تثأر اتهامات متكررة بان العديد من الاحزاب المتنفذة لم تكتفي بالعمل السياسي، بل اقامت اذرعا” اقتصادية توظف نفوذها داخل مؤسسات الدولة، مستفيدة من مواقع بعض الوزراء او وكلائهم والمديرين العامين والذين تم تعينهم عبر المحاصصة الحزبية المقيتة وليس عن طريق الكفاءة والنزاهة المطلوبة في الخدمة العامة. من اجل التأثير في العقود والانفاق العام بما ادى الى استنزاف خزينة الدولة واضعاف مؤسساتها. وعلى مدار السنوات السابقة كان هنالك العديد من المحاولات لمحاربة ازمة الفساد المستشري في العراق (والذي جعل الجميع يشعر بالحرج منه، حتى للسارقين انفسهم امام الرأي العام المحلي والخارجي) اقول كان هنالك الكثير من الهيئات والمديريات والمراكز كانت مهمتها مكافحة الفساد والحد منه، ومنها ( هيئة النزاهة، دوائر المفتش العام السابقة في الوزارات، ديوان الرقابة المالية، لجنة النزاهة البرلمانية واعضاء البرلمان الاخرين بصفتهم الرقابية على السلطة التنفيذية وقراراتها المالية، مجلس القضاء الاعلى، سلطة الاعلام من قنوات فضائية وصحف ووسائل التواصل الاجتماعي) اضافة الى سن عشرات بل مئات القوانين والتي كانت اغلبها حبر على ورق وتحولت الى نصوص جامدة، لا تُفعل الا في قضايا محدودة تكشف بين الحين والاخر عن اختلاسات وسرقات متواضعة، يكون ابطالها في الغالب من صغار الموظفين بينما بقيت ملفات الفساد الكبرى والتي استباحت اموال الدولة واهدرت ثروات الشعب عصية على المحاسبة، وكأن يد العدالة تقصر عن الوصول الى الحيتان الكبيرة التي تغذت على مقدرات الوطن سنوات طويلة. من كل ذلك يتبين ان محاربة الفساد المالي والاداري لا تتحقق بأجراءات جزئية وبحملات اعلامية مؤقتة بل تحتاج الى منظومة متكاملة تعالج اسبابه وتغلق نافذته عبر عدة محاور، منها توفر الارادة السياسية بوجود قيادة سياسية تتبنى مكافحة الفساد دون استثناءات وتطبيق القانون على جميع المسؤولين دون تمييز او حصانة غير قانونية وكذلك لا بد من ضمان استقلال القضاء وانشاء محاكم متخصصة بقضايا الفساد، وايضا” سرعة البت في القضايا المنسية واسترداد الاموال المنهوبة وليس بقاء امورها معلقة (كما في قضية نور زهير وهي المثال الحقيقي بطء حل هذه القضايا عبر بيروقراطية حكومية مملة او بفعل فاعل معروف. كما ان تبسيط الاجراءات الحكومية وتقليل الروتين والتحول الى الحوكمة الالكترونية لتقليل الاحتكاك المباشر بين الموظف والمراجع، والنقطة الجوهرية والغائبة في مفاصل الدولة العراقية هي اعتماد معايير الكفاءة والنزاهة في تعيين المسؤولين وترقيتهم. وان اعتماد مبدأ الشفافية من خلال نشر الموازنات والعقود الحكومية للرقابة العامة والزام كبار المسؤولين بالافصاح عن ذممهم المالية وتطبيق قانون من اين لك هذا؟ عليهم عند ملاحظة تضخم ثرواتهم هم وعوائلهم، اضافة الى توفير حق الوصول الى المعلومات المالية والاقتصادية الخاصة بالافراد والاحزاب وبالتحديد الشخصيات الكبيرة المتصدية لموقع المسؤولية اضافة الى النواب على مختلف مستوياتهم. ولابد من تعزيز استقلال الاجهزة الرقابية ومنحها صلاحيات التحقيق والاحالة الى القضاء وكذلك التنسيق بين اجهزة الرقابة لمنع تضارب الاختصاصات، ويجب سن قوانين تحمي المبلغينعلى حالات الفساد وتنفيذ العقوبات الرادعة ومصادرة الاموال المتحصلة من الفساد ومنع المدانيين من تولي المناصب العامة، وكذلك التعاون الدولي لاسترداد الاموال المهربة. وقد كان للعديد من دول العالم تجارب في محاربة الفساد، والتي مرت بحالات الفساد المستشري في دولها وكانت تئن تحت وطأةهذه الافة، وتعتبر سنغافورة (وهي دولة تقع شرق قارة اسيا ومواردها المالية محدودة وكانت تعاني من مستويات الفساد المرتفعة) اضحت لها تجربة تعتبر من انجح التجارب العالمية في مكافحة الفساد المالي والاداري فقد نجحت في تحويل الدولة من بلد يكابد الفساد في ستينات القرن الماضي الى دولة تحتل بأستمرارمراكز متقدمة جدا” في مؤشرات النزاهة العالمية وتعرف عالميا” بانها بيئة حكومية وادارية عالية الكفاءة وقليلة الفساد واصبحت من الدول المتطورة ومن الطراز الاول بل هي تعتبر من نمور اسيا، وكل الذي فعلته سنغافورة هو تطبيق المعايير والقوانين التي بينتها فيما سبق (وهي موجودة ومسنة اصلا” في العراق في الوقت الحالي لكننا مازلنا نعاني من عدم تطبيقها بصورة صحيحة). ان نجاح التجربة السنغافورية لم يكن بسبب قانون واحد او هيئة واحدة بل نتيجة تكامل الارادة السياسية واستقلال المؤسسات وسيادة القانون والادارة الكفؤة وثقافة عدم التسامح مع سراق المال العام. ولا انسى التجربة الايطالية في مكافحة الفساد والتي تعتبر من اشهر التجارب في العالم وحملة (الايدي النظيفة) المعروفة والتي انطلقت عام 1992 اهم حملة لمكافحته في تأريخ ايطالبا وقادها عدد من القضاة والمدعين العامين، حيث لعب استقلال القضاء دورا” محوريا” اذ جرى التحقيق مع وزراء ونواب وقادة احزاب عريقةورجال اعمال كبار دون استثناءات وبعد ان تم تفكيك شبكات الرشوة بعد كشف نظاما” واسعا” من الرشاوي والعمولات بين الشركات والمسؤولين الحكوميين وكل ذلك تم عبر الهيئة الوطنية الايطالية لمكافحة الفساد ومراقبة العقود الحكومية وتعزيز الشفافية ومنع تضارب المصالح، وقد اظهرت التجربة الايطالية ان نجاح الحملات القضائية وحده لا يكفي فاستدامة مكافحة تتطلب اصلاحات مؤسسية وادارية مستمرة وشفافية في الانفاق العام ورقابة فعالة واستقلالا” حقيقيا” للقضاء اضافة الى ارادة سياسية دائمة. وبالنظر الى تجربتي سنغافورة وايطاليا في مكافحة الفساد قامت الحكومات العراقية المتعاقبة بعد الاحتلال الامريكي في تطبيق جميع ادوات مكافحة الفساد المطلوبة عالميا” والمطبقة خصوصا” في تجربتي الدولتين المشار اليهما في اعلاه، ان هذه الادوات موجودة في العراق من الناحية القانونية الى حد كبير لكنه لا يعني انها تعمل بفعالية فوجود القوانين شي وتطبيقها شي اخر، لان الرغبة والارادة في منظومة الحكم ضعيفة وتعاني من معضلة كبيرة واضحت مثل الرجل المريض. ان الحل الجذري لهذه الضلة والمرض العضال ليس في نقص الهيئات او التشريعات بل في بنية الدولة واليات ادارة السلطة والمال العام ومن ابرز ما يمكن تطبيقه وتحقيقه: 1. اليقين بالمحاسبة لا شدة العقوبة، الفاسد يخشى ان يحاسب فعلا” لا ان تكون العقوبة قاسية على الورق فقط, اذا كان احتمال اكتشاف الفساد ومحاسبة مرتكبه منخفضا” فلن تكون العقوبات وحدها رادعة للجريمة. 2. قطع العلاقة بين السياسة والادارة، عندما تصبح المناصب الادارية خاضعة للمحاصصة او النفوذ الحزبي تضعف المساءلة. الادارة المهنية المستقلة تقلل من فرص التدخلات الحزبية في الشؤون المالية. 3. تقليل السلطة التقديرية للموظف، حيث ان كل قراريعتمد على موافقة المسؤول دون معايير واضحة يفتح بابا” للفساد وكلما زادت الحوكمة الالكترونية والاجراءات الرقمية ضاقث فرص الابتزاز والرشوة. 4. تتبع الاموال الالكترونيا”( كل دينار يخرج من الخزينة يجب ان يكون قابلا” للتتيع حتى يصل الى الجهة المستفيدة، مع ربط قواعد البيانات بين المؤسسات المختلفة). 5. استرداد الاموال المنهوبة بسرعة ( عندما يرى الناس ان الفاسد يحتفظ بمكاسبه رغم ادانته تضعف التقة في النظام والمنظومة الحاكمة). 6. حماية المبلغين عن حالات الفساد والقضاة والمحققين حيث اذا خاف من يكشف الفساد اكثر مما يخاف الفاسد فلن تنجح اي منظومة تحاول محاربة الفساد والقضاء عليه. لكن العامل الاكثر تأثيرا” من وجة نظري اقول انها الارادة السياسية فالدول التي نجحت في خفض الفساد لم تنجح لانها امتلكت قوانين افضل فقط بل لانها طبقت القانون بصورة متواصلة على اصحاب النفوذ قبل غيرهم مع بناء مؤسسات مستقلة وشفافة. ان الفساد ليس مجرد انحراف افراد بل هو خلل في بنية الدولة واليات الرقابة فيها، لذلك فان نجاح اي دولة او منظومة ما في مكافحته يعتمد على بناء مؤسسات قوية، وقضاء مستقل، وادارة رقمية شفافة، ورقابة فعالة، ومساءلة حقيقية تطبق على الجميع دون استثناء. وعندما تصبح تكلفة الفساد اعلى من منفعته ويتأكد المسؤول ان القانون سيحاسبه تبدأ معدلات الفساد بالانخفاض بصورة مستدامة ونهائية،لانه خلاف ذلك سوف تبقى مقدرات الدولة ضحية لمنظومة فساد متجذرة انهكت الوطن واثقلت كاهل المواطن.
لماذا فشلت ادوات مكافحة الفساد في العراق رغم كثرتها؟ وهل المشكلة في القوانين ام في منظومة الحكم
آخر تحديث:
شاكر محمود تركي







































