من حلف بغداد إلى الحلف السعودي التركي الباكستاني- وفوائد انضمام العراق له!

من حلف بغداد إلى الحلف السعودي التركي الباكستاني- وفوائد انضمام العراق له!
آخر تحديث:
مكسيم العراقي

صيرورة التحالفات الاستراتيجية وحتمية استعادة العراق لمركزه الإقليمي إن الجغرافيا هي العنصر الأكثر أساسية وثباتاً في السياسة الخارجية للدول، لأنها لا تتغير.  

 يُمثّل التاريخ الجيوسياسي لمنطقة الشرق الأوسط صيرورة مستمرة من البحث عن معادلات ردع استراتيجية تحمي استقرار الدولة الوطنية وتمنع اختراق الممرات الحيوية العابرة للإقليم. وتبرز في هذا السياق مقاربة كاشفة بين حلف بغداد التأسيسي عام 1955 والحلف العسكري والدفاعي  المتصاعدة اليوم بين السعودية، وتركيا، وباكستان. وعلى الرغم من اختلاف المظلات الدولية والمرجعيات الأيديولوجية بين المحطتين، إلا أن المنطق الجغرافي والسياسي العميق يُظهر تقاطعاً بنيوياً بين التجربتين، ويكشف في الوقت ذاته عن الضرورة الجيواستراتيجية لإعادة دمج العراق في هذا المحور الصاعد لاستعادة توازنه وتفكيك بيئات الفوضى والسلاح الموازي.

1. الرابط التأسيسي والجغرافيا السياسية وسيكولوجيا الردع الاستباقي تأسس حلف بغداد في منتصف القرن العشرين كجدار حصين يمتد من جنوب آسيا إلى الأناضول والعالم العربي (متمثلاً بالعراق، وتركيا، وباكستان، وإيران الشاه، وبريطانيا) بهدف احتواء التمدد السوفيتي ومنع اختراق الفضاء الإقليمي. واليوم، يعيد التحالف الدفاعي بين الرياض وأنقرة وإسلام أباد إنتاج الفكرة الذاتية في جغرافيتها، ولكن وفق رؤية إقليمية سيادية مستقلة؛ حيث يُشكل هذا المحور قوس ردع يجمع بين التكنولوجيا، والقدرة المالية، والردع النووي، لحماية الممرات المائية والبحرية ومواجهة التمدد الفوضوي للمشروع الإيراني وأذرعه المسلحة، بنفس الطريقة التي سعى بها حلف بغداد للحد من التمدد الأيديولوجي والعسكري السوفيتي.

2. التناقض التاريخي  لإيران من شريك حلف إلى مصدر التهديد

تظهر إحدى مفارقات التحليل السياسي عند مقارنة موقع إيران في الحلفين؛ فبينما كانت إيران الشاه جزءاً من حلف بغداد الصاد للتهديدات الخارجية، تحول نظام ولاية الفقيه بعد عام 1979 إلى مصدر التهديد الرئيسي للبيئة الإقليمية. أدّى هذا التحول إلى تفكيك مفهوم الأمن المشترك، واستبداله باستراتيجية تغلغل طفيلي يعتمد على إنهاك الجوار العربي عبر الميليشيات وإضعاف مؤسسات الدولة الرسمية. ومن هنا، تأتي قوة التحالف الثلاثي الجديد كاستجابة طبيعية لملء الفراغ الناجم عن تحول إيران من حارس مفترض للاستقرار الإقليمي إلى راعٍ للفوضى والسلاح الموازي.

3. حتمية ضم العراق والضرورة البنيوية وجغرافية التوازن

تؤكد طروحات علم الاجتماع السياسي والجيوبوليتيك أن أي تحالف أمني في الشرق الأوسط يظل ممتلئاً بالثغرات الهيكلية ما لم يكن العراق جزءاً أصيلاً منه. وتكمن ضرورة انضمام أو استعادة العراق لمركزه في هذا التحالف عبر عدة محددات: الموقع الجغرافي العازل: يُمثّل العراق الرابط البري والمجالي المباشر بين الخليج العربي وتركيا، والجسر الجغرافي الفاصل بين إيران وعمقها الإقليمي المفترض. إن إبقاء العراق خارج المنظومة الدفاعية الإقليمية يتركه ساحة مفتوحة لتصريف الأزمات الإيرانية وممرّاً لوجستياً لتمويل وتغدية الميليشيات. استعادة السيادة وتفكيك دولة الظل: يُوفّر الانضمام لهذا المحور مظلة إقليمية صلبة تدعم الدولة العراقية الرسمية، وتُسهم في تجفيف منابع السلاح الموازي والمؤسسات الاقتصادية غير القانونية للطبقة الفاسدة، من خلال تعزيز التنسيق الأمني والاستخباري والاقتصادي والعسكري مع القوى الإقليمية الرئيسية. التوازن التنموي والاقتصادي: يمتلك التحالف الجديد قدرات صناعية وتكنولوجية ومالية هائلة كفيلة بإنعاش الاقتصاد العراقي وإعادة بناء بنيته التحتية، مما يسحب البساط من تحت أقدام شبكات الفساد التي تقتات على إضعاف الدولة وعزلها عن محيطها العربي والإسلامي الأصيل الحماية النووية للعراق! وقف اي مشاريع تمدد تركية داخل العراق وزيادة التعاون بمختلف اشكاله مع تركيا القوية! إن قراءة المسار التاريخي والجغرافي تؤكد أن حلف بغداد القديم لم يفشل بسبب فكرته الجيوسياسية، بل بسبب التجاذبات الإيديولوجية والانقلابات الداخلية. واليوم، تُعيد جغرافيا المنطقة فرض قوانينها؛ إذ إن بناء نظام أمني ردعي متكامل يستلزم العودة التدريجية للعراق إلى موقعه الطبيعي في قلب المحاور الاستراتيجية الحامية للسيادة والاستقرار، ليتحول من ساحة نفوذ وإشاعة فوضى إلى ركن أساسي في منظومة الردع والتنمية الإقليمية.

لمخاطر الاستراتيجية والتحديات الهيكلية لانضمام العراق للتحالف الدفاعي الجديد الأمر الأكثر خطورة في السياسة ليس اتخاذ القرار الخطأ، بل اتخاذ القرار الصحيح في الوقت غير المناسب وبالمؤسسات غير المهيأة.

— ألكسندر هاميلتون في مقابل الضرورات الجيوسياسية والمكاسب الاستراتيجية المحتملة لإعادة تموضع العراق ضمن المحور الدفاعي الصاعد (السعودية، تركيا، باكستان)، يفرز التحليل السياسي والسوسيولوجي العميق جملة من المخاطر الوجودية والتعقيدات البنيوية التي قد تترتب على اتخاذ مثل هذه الخطوة في ظل المعطيات الداخلية والإقليمية الراهنة. إن إقحام الدولة الوطنية ذات البنية الهشة في تحالفات سيادية صلبة دون استكمال شروط التعافي الداخلي قد يحول القرار من مسار استعادت السيادة إلى محفز لتفكك الدولة واستثارة أزمات أهلية وإقليمية غير محسوبة العواقب. تتمثل أبرز مخاطر وسيناريوهات الانكشاف الاستراتيجي في هذا الانضمام عبر المحاور التالية:  1. تحفيز صدام داخلي مسلح وانشطار النسيج المجتمعي

تُمثل البيئة السياسية والأمنية داخل العراق مجتمعاً مجزأً تتغلغل فيه الفصائل والجماعات المسلحة ذات الولاء العقائدي والتنظيمي المباشر لإيران. إن أي توجه رسمي من قبل الحكومة المركزية للانضمام إلى تحالف إقليمي صريح يُصنف في طهران كـ محور مناوئ، سيُفسر داخل بيئة السلاح الموازي كـ إعلان حرب وجودية. سينتج عن ذلك رد فعل ميليشياتي عنيف يتمثل في إشعال مواجهات أمنية داخلية، واستهداف المنشآت الحكومية، وتهديد السلم الأهلي، مما يدفع البلاد نحو سيناريو الحرب الأهلية أو صدام مسلح مباشر بين المؤسسة العسكرية الرسمية والأذرع الموازية.

2. الانكشاف للردع الإيراني المباشر وتحويل العراق لساحة حرب مفتوحة يمتلك النظام الإيراني نفوذاً استخباراتياً، واقتصادياً، وجغرافياً واسع النطاق يتيح له استخدام العراق كـ مصد أمني وحقل تجارب لرسائله العسكرية. وفي حال إعلان العراق انضمامه للمحور الدفاعي الجديد، ستمارس طهران استراتيجية عقاب جماعي عبر توجيه ضربات صاروخية وبالمسيرات للبنى التحتية، والموانئ، وحقول النفط العراقية تحت ذريعة تفكيك قواعد ومخاطر المحور المعادي، وهو ما سيجعل من الجغرافية العراقية خط المواجهة الأول والضحية الرئيسية لأي تصعيد عسكري بين إيران والتحالف الثلاثي. 3. خنق الشرايين الاقتصادية والارتهان للطاقة على الرغم من الوفرة المالية المفترضة لدول التحالف، إلا أن الاقتصاد العراقي يرتبط بتبعية هيكلية شديدة الخطورة مع الجانب الإيراني؛ لا سيما في ملفات غاز تشغيل محطات الكهرباء، والواردات الغذائية والاستهلاكية، والتبادل التجاري عبر المنافذ الحدودية الشرقية. إن أي قرار سياسي يُناوئ طهران سيُقابل فوراً بقطع إمدادات الطاقة، وإغلاق الحدود، وإغراق السوق العراقي بأزمات معيشية واقتصادية حادة تؤدي إلى شلل الخدمات العامة وانفجار الشارع الشعبي ضد الدولة ويمكن الاستعانة باطراف الحلف لتجنب ذلك وحصار ايران ان بدات العمل وفق هذا المسار. 4. تعميق الاصطفاف الطائفي وتغليب الانقسام الهوياتي تستغل الجماعات المسلحة والإعلام المضلل أي تقارب مع القوى الإقليمية لترسيخ خطاب مظلومية طائفي؛ حيث سيتم تسويق الانضمام للتحالف الدفاعي (السعودية-تركيا-باكستان) باعتباره استهدافاً للمكون الشيعي واستعادة لنفوذ المحاور التاريخية المناوئة. يؤدي هذا التجييش إلى ضرب مفهوم المواطنة الجامعة، وإجهاض محاولات تشكيل هوية وطنية عابرة للطوائف، وتعميق حالة التشتت السوسيولوجي التي تُغذي بقاء الميليشيات والأحزاب الفاسدة. ولكن الارتباط مع ايران طوال 23 عاما اثبت عقمه وفشله! 5. مخاطر الارتهان لتحالفات خاضعة للتغيرات الاستراتيجية تتميز العلاقات بين الدول الكبرى والإقليمية بالتحول والتغير التكتيكي المباشر بناءً على تبدل المصالح. إن مخاطرة العراق بالدخول في تحالف إقليمي صلب قد يجعله رديئاً لتفاهمات أو تسويات جانبية قد تعقدها دول التحالف مستقبلاً مع إيران أو مع القوى الدولية. وفي حال حدوث أي تقارب أو انفراج دبلوماسي بين أعضاء المحور وطهران، ستجد الدولة العراقية نفسها في موقع المكشوف استراتيجياً، بعد أن أحرقت أوراقها وأفسدت علاقاتها الجوارية دون الحصول على ضمانات أمنية واستثمارية طويلة الأمد. إن التحليل المتوازن يفرض على صانع القرار العراقي إدراك أن الالتحاق بالمحاور لا يمثل حلاً سحرياً لغياب السيادة، بل إن الأولوية الوطنية تقتضي بناء التماسك الداخلي، وتفكيك السلاح الموازي، وتحقيق الاستقلال الاقتصادي والمؤسسي، قبل التفكير في خوض مغامرات التحالفات الدفاعية الكبرى التي قد تتحول إلى مقصلة تُنهي ما تبقى من بناء الدولة العراقية.

إدارة الانكشاف الاستراتيجي وحتمية الانضمام للمحور الثلاثي وسبل تجاوز المخاطر البنيوية

 إن الخطر الأكبر في أوقات الاضطراب (أو التحول) لا يكمن في الاضطراب نفسه، بل في مواصلة التصرف بـمنطق الأمس.” بيتر دراكر

يقدم التحليل الجيوسياسي للمشهد العراقي خيارين لا ثالث لهما في ظل الصراع المحتدم على هوية الشرق الأوسط: إما البقاء في دائرة الارتهان المطلق للنظام الإيراني وأذرعه، وإما التحرك نحو الانضمام الاستراتيجي للمحور الدفاعي الصاعد الذي يجمع السعودية، وتركيا، وباكستان. وعلى الرغم من جودة القراءة التي تحذر من المخاطر والأزمات التي قد يُثيرها هذا التحول، إلا أن البقاء في الحلف الإيراني يمثل مساراً حتمياً لتفكيك ما تبقى من الجسد العراقي وتجريده من مقومات السيادة والوجود. إن إيران، وفي إطار ضغوطها المحتدمة ومحاولات حماية عمقها الاستراتيجي، ستمارس أقصى درجات الضغط والنفوذ لإبقاء العراق خط دفاع أمامي ورئة اقتصادية وعسكرية لأزمتها، مما يجعل عملية التغلب على هذه المخاطر والانضمام للمحور الجديد ضرورة وجودية لا خياراً رفاهياً. 1. معضلة الخيار الإقليمي.. لماذا يعد الحلف الإيراني خياراً لتصفية الدولة؟ تُظهر القراءة السوسيولوجية والسياسية لعقود النفوذ الإيراني في العراق أن طبيعة الشراكة التي يقدمها نظام طهران لا تقوم على مبدأ التكامل بين دولتين سياديتين، بل على نموذج الاستلحاق والتبعية؛ حيث يُطلب من العراق تقديم موارده، وسيادته، وأمنه القومي كقربان لخدمة التمدد الإيديولوجي واستحقاقات المواجهة الدولية لولاية الفقيه. إن التغاضي عن الانضمام للمحور الثلاثي خوفاً من رد الفعل الإيراني يعادل القبول بالتصفية التدريجية للدولة؛ إذ تستمر طهران في خنق الاقتصاد الوطني، ومأسسة السلاح الموازي، وتحويل الأراضي العراقية إلى مسرح مفتوح للحروب بالوكالة وتصريف الأزمات. 2. آليات وخارطة طريق التغلب على مخاطر الانضمام للمحور الدفاعي الجديد إن تجاوز العقبات والأزمات الأمنية والاقتصادية المتوقعة جراء الخروج من العباءة الإيرانية والانضمام للتحالف الدفاعي يستلزم تطبيق استراتيجية احتواء متعددة المسارات: المظلة التمويلية والتنموية البديلة: لتفادي ورقة الضغط الاقتصادي بقطع الطاقة والإمدادات التي قد تستخدمها طهران، يُشترط أن يسبق الانضمام تفعيل اتفاقيات الربط الكهربائي الخليجي-العراقي، وإبرام عقود صريحة مع تركيا والسعودية لتأمين إمدادات الغاز والمشتقات النفطية وتأمين خطوط التجارة والسلع الاستراتيجية عبر الموانئ والمنافذ البرية المباشرة. والقضاء على الفساد في العراق والهدر وترشيق الدولة تماما من الاحزاب. الردع المزدوج وغطاء التوازن النووي والتكنولوجي: يتم التغلب على خطر الاستهداف العسكري الإيراني المباشر من خلال بناء شروط انضمام تضمن شمول الجغرافية العراقية بـ مظلة الردع المتقدمة للتحالف؛ حيث توفر باكستان ثقل الردع النووي، وتقدم تركيا التفوق الجوي والتكنولوجي والمسيرات المتقدمة، وتوفر السعودية الثقل الدبلوماسي والدعم المالي اللوجستي. إن شمول العراق بهذه المنظومة يحول دون استفراد طهران به ويجعل تكلفة أي هجوم إيراني باهظة وغير قابلة للتحمل. استراتيجية تفكيك السلاح الموازي وتجفيف المنابع: التغلب على الفصائل الداخلية يقتضي تحريك معركة اقتصادية وإدارية حاسمة تسبق أو ترافق القرار السياسي؛ وتتمثل في إغلاق المكاتب الاقتصادية التابعة للميليشيات، وشل شبكات تهريب العملة الصعبة عبر أجهزة الرقابة المالية الدولية، وحصر التعاملات المالية الرسمية بالنظام المصرفي العالمي. إن تجفيف منابع التمويل يُضعف القدرة القتالية والتنظيمية لهذه الفصائل ويقلل من قدرتها على إشعال مواجهات طويلة الأمد. الخطاب الوطني العابر للطائفية: لمنع إيران وأذرعها من استغلال ورقة التجييش الطائفي، يجب توظيف خطاب سياسي وإعلامي يستند إلى مفهوم السيادة الوطنية والمواطنة الجامعة، وإبراز المكاسب الاستثمارية والتنموية والأمنية التي سيجنيها الشارع العراقي بكافة مكوناته من الانضمام لمحور إقليمي قوي يضمن الاستقرار ويطرد الفساد والسلاح المنفلت. 3. الضرورة الاستراتيجية في التحول من ساحة صراع إلى ركن التوازن إن الانضمام للتحالف الدفاعي (السعودية، تركيا، باكستان) ليس مجرد استبدال لحلف بآخر، بل هو إعادة تموضع في المكان الطبيعي للجغرافيا العراقية. يُوفر هذا التحالف للعراق فرصة تاريخية للتحول من دور الضحية والمستباح أمنياً إلى دور الشريك الاستراتيجي والحيوي الذي يربط جنوب آسيا بالأناضول والخليج. إن هذا الانضمام هو الطريق الوحيد لتخليص البلاد من حالة الارتهان والضغوط الإيرانية المتواصلة، وبناء مؤسسات أمنية واقتصادية سيادية قادرة على حماية المواطن ومستقبل الأجيال القادمة.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *