إلى دولة رئيس الوزراء العراق: أوقفوا امتيازات النواب السابقين وحماياتهم من المال العام بقلم د مصطفى الصبيحي

إلى دولة رئيس الوزراء العراق: أوقفوا امتيازات النواب السابقين وحماياتهم من المال العام بقلم  د مصطفى الصبيحي
آخر تحديث:

دولة رئيس الوزراء المحترم،
لم يعد مقبولاً أن يستمر المال العام في دفع فاتورة امتيازات سياسية انتهت بانتهاء المنصب، في وقت تواجه فيه الدولة العراقية ضغوطاً اقتصادية كبيرة، وتكافح لتأمين الرواتب والخدمات والالتزامات الأساسية. إن منصب النائب، مهما كانت أهميته، هو منصب دستوري مؤقت، يبدأ بمدة محددة وينتهي بانتهائها، ولا ينبغي أن يتحول بعد انتهاء الولاية إلى امتياز دائم على حساب خزينة الدولة والمواطن.

إن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم بكل وضوح هو: لماذا يستمر النائب السابق في الحصول على امتيازات مالية وحماية وموارد من الدولة بعد انتهاء مهمته النيابية؟ إذا كان النائب قد أدى دوره خلال الدورة الانتخابية وانتهت صفته القانونية، فلماذا لا تنتهي معه الامتيازات المرتبطة بالمنصب، إلا ما يقره القانون لأسباب استثنائية ومحددة؟

إن المواطن العراقي الذي يعمل ثلاثين عاماً في مؤسسات الدولة، ثم ينتظر راتبه التقاعدي ليؤمن حياته، من حقه أن يسأل عن العدالة. كيف يمكن أن نطلب منه التقشف وتحمل الأزمات الاقتصادية، بينما تستمر امتيازات شخص انتهت خدمته السياسية؟ وكيف يمكن أن نقنع الشباب بأن الدولة تقوم على تكافؤ الفرص، إذا بقيت المناصب السياسية بوابة إلى امتيازات تستمر بعد مغادرة أصحابها للمنصب؟

ولا يتعلق الأمر بالتقاعد وحده. فهناك ملف آخر لا يقل أهمية، وهو الحمايات المخصصة للمسؤولين السابقين. إن استمرار تخصيص أعداد كبيرة من أفراد الحماية والموارد المالية لمسؤول انتهت صفته الرسمية يحتاج إلى مراجعة حقيقية وشفافة. وإذا كان هناك مسؤول سابق يواجه تهديداً أمنياً حقيقياً، فلتكن الحماية وفق تقييم أمني رسمي ومحدد، وليس باعتبارها امتيازاً دائماً لمجرد أن الشخص شغل منصباً سياسياً في مرحلة سابقة.

دولة رئيس الوزراء، إن أفراد الحماية الذين يعملون مع المسؤولين السابقين يتقاضون رواتب من المال العام، وهذه الرواتب في النهاية جزء من موازنة الدولة. ولذلك فإن السؤال ليس عن شخص أو حزب أو كتلة، وإنما عن مبدأ عام يتعلق بإدارة أموال العراقيين. فهل من المنطقي أن تتحمل الدولة رواتب وحمايات وامتيازات أشخاص انتهت مهمتهم الرسمية، بينما توجد مؤسسات خدمية تعاني من نقص الموارد، وشباب يبحثون عن فرصة عمل، وقطاعات تحتاج إلى تمويل مستمر؟

نحن لا ندعو إلى الإساءة إلى النواب السابقين، ولا إلى انتقاص حقوقهم كمواطنين عراقيين. بل على العكس، يجب أن يحظى كل نائب سابق بالاحترام الذي يستحقه، لكن الاحترام شيء، وتحويل المنصب السابق إلى امتياز مالي وأمني دائم شيء آخر.

إن النائب عندما تنتهي ولايته يعود مواطناً عراقياً، وله كامل حقوقه المدنية والقانونية، كما عليه كامل واجباته تجاه الدولة. وإذا كانت هناك استحقاقات قانونية مشروعة، فيجب أن تكون موحدة وعادلة ومنسجمة مع سنوات الخدمة الفعلية، لا أن تتحول الخدمة السياسية القصيرة إلى باب دائم للامتيازات.

ولهذا فإننا نطالب الحكومة والبرلمان والجهات التشريعية والرقابية بفتح ملف امتيازات المسؤولين السابقين بصورة شاملة، ومراجعة الرواتب والمخصصات والحمايات والمنافع المرتبطة بالمناصب السياسية بعد انتهاء شاغليها من الخدمة. كما نطالب بنشر البيانات المالية المتعلقة بهذه الامتيازات أمام الرأي العام، لأن المال العام ليس ملكاً لحكومة أو برلمان أو حزب، وإنما هو مال الشعب العراقي.

إن العراق اليوم بحاجة إلى ترشيد الإنفاق، وإلى توجيه كل دينار ممكن نحو التعليم والصحة والخدمات والبنية التحتية وفرص العمل، لا نحو امتيازات لا تستند إلى حاجة فعلية أو خدمة مستمرة للدولة.

وفي الختام، دولة رئيس الوزراء، إن الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تكون الدولة قادرة على قول كلمة واحدة للجميع: المنصب ينتهي، والامتياز ينتهي معه، أما حقوق المواطن فتستمر.

العراق لا يحتاج إلى مسؤولين سابقين يعيشون على امتيازات المناصب، بل يحتاج إلى دولة عادلة تطبق القانون على الجميع. وإذا كنا نريد بناء دولة مؤسسات حقيقية، فعلينا أن نبدأ بإعادة المال العام إلى مكانه الصحيح: خدمة المواطن، لا خدمة الامتيازات.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *