في العلاقات بين الدول، لا يمثل توقيع الاتفاقيات نهاية المطاف، بل بداية اختبار طويل. فالوثائق قد توقع في ساعات، لكن قيمتها الحقيقية لا تقاس بما يرافقها من مراسم أو تصريحات، وإنما بقدرتها على التحول إلى مشاريع قائمة، واستثمارات منتجة، وفرص عمل، وخدمات أفضل، ونمو اقتصادي ينعكس على حياة المواطنين. ومن هذه الزاوية، تبدو الاتفاقيات التي أبرمتها بغداد وواشنطن خلال أكثر من عقدين، بما فيها الاتفاقيات التي أُعلن مؤخراً، وكأنها ما تزال تخوض امتحانها الحقيقي. ولا يختلف اثنان على أهمية العلاقة بين العراق والولايات المتحدة. فالبلدان يرتبطان بمصالح سياسية واقتصادية وأمنية واسعة، كما أن الولايات المتحدة تعد واحدة من أكبر الاقتصادات في العالم، وتمتلك شركات رائدة وخبرات متقدمة وتقنيات يمكن أن تسهم في تطوير قطاعات حيوية داخل العراق، من الطاقة والكهرباء إلى الصناعة والاتصالات والتعليم والصحة. ومن ثم، فإن أي اتفاق يفتح الباب أمام استثمارات جديدة أو نقل للتكنولوجيا أو تطوير للبنية التحتية يمثل فرصة تستحق الاهتمام. لكن أهمية هذه الاتفاقيات لا تعفي من طرح سؤال أكثر جوهرية من مراسم توقيعها: ماذا تحقق من الاتفاقيات التي سبقتها؟ هذا السؤال لا ينطوي على تشكيك في الاتفاقيات الجديدة، ولا يحمل حكماً مسبقاً عليها، كما أنه لا يهدف إلى تحميل بغداد أو واشنطن وحدهما مسؤولية ما تحقق أو ما تعثر. فتنفيذ الاتفاقيات الدولية عملية معقدة تتداخل فيها الإرادة السياسية، والاستقرار الأمني، وكفاءة المؤسسات، وتوافر التمويل، والظروف الاقتصادية، فضلاً عن المتغيرات الإقليمية والدولية التي قد تعيد ترتيب أولويات الطرفين. منذ عام 2003، شهدت العلاقات العراقية – الأمريكية سلسلة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مجالات مختلفة، ثم جاءت اتفاقية الإطار الاستراتيجي التي وقعت عام 2008، ودخلت حيز التنفيذ مطلع عام ،2009 لتؤسس لشراكة طويلة الأمد تشمل التعاون السياسي والأمني والاقتصادي، إلى جانب الطاقة والاستثمار والتعليم والثقافة والصحة والعلوم والتكنولوجيا والبيئة والزراعة. وقد مثلت هذه الاتفاقية الإطار الأشمل الذي تنظم من خلاله العلاقات الثنائية حتى اليوم. ومنذ ذلك الحين، تعاقبت الحكومات العراقية والإدارات الأمريكية على تفعيل هذا الإطار. ففي عهد نوري المالكي استمرت أعمال اللجان المشتركة المنبثقة عن الاتفاقية، وفي عهد حيدر العبادي أعيد تنشيط مسارات التعاون في ظل الحرب على تنظيم داعـ ش، وشهدت العلاقات توقيع بيانات مشتركة ومذكرات تفاهم وترتيبات تنفيذية في مجالات الأمن والطاقة والاقتصاد والتعليم. ثم انطلقت خلال حكومة مصطفى الكاظمي جولات الحوار الاستراتيجي التي أعادت تنظيم أولويات العلاقة الثنائية، قبل أن تشهد حكومة محمد شياع السوداني توقيع مجموعة جديدة من الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارية خلال زيارته إلى واشنطن عام 2024، تلتها حزمة أخرى من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي أُعلن عنها مؤخراً. ويعكس هذا المسار الممتد حرص الجانبين على استمرار التعاون وتطويره، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً مشروعاً، ومفاده: إلى أي مدى تحولت الاتفاقيات التي أُبرمت خلال السنوات الماضية إلى نتائج ملموسة؟ فالواقع يشير إلى أن بعض الاتفاقيات أسهم في تحقيق تقدم في مجالات محددة، وأن عدداً من المشاريع دخل بالفعل مراحل التنفيذ، إلا أن جزءا مهماً من الأهداف التي صاحبت تلك الاتفاقيات لم يتحقق بالوتيرة التي كانت متوقعة. وما تزال قطاعات أساسية، مثل الكهرباء والطاقة والاستثمار، تواجه تحديات كبيرة، رغم كثرة الاتفاقيات التي استهدفت تطويرها. ولا يعني ذلك أن الاتفاقيات كانت غير مجدية، بقدر ما يكشف أن الفجوة بين النصوص والتنفيذ ما تزال تمثل أحد أبرز التحديات. فالوثائق قد تضع الأهداف، لكنها لا تنفذ نفسها بنفسها. إذ يحتاج تنفيذها إلى بيئة مستقرة، ومؤسسات تمتلك القدرة على المتابعة، وتمويل كاف، وآليات واضحة للمساءلة، وقرارات تنفيذية تحافظ على استمرارية المشاريع، بعيداً عن تأثير تغير الحكومات أو تبدل الأولويات. وربما يكون هذا هو التحدي الأكبر أمام أي شراكة دولية. فالاتفاقيات تبقى ثابتة، بينما تتغير الحكومات، وتتبدل الظروف الاقتصادية، وتتطور الأوضاع الإقليمية والدولية. لذلك، فإن استدامة التنفيذ غالباً ما تكون الاختبار الأصعب، لأنها تتطلب إرادة سياسية مستمرة، ومؤسسات قادرة على الحفاظ على زخم العمل، بغض النظر عن تغير الأشخاص أو الإدارات. ولهذا، فإن نجاح الاتفاقيات لا يقاس بعدد صفحاتها، ولا بعدد المسؤولين الذين حضروا مراسم توقيعها، ولا بحجم التغطية الإعلامية التي حظيت بها، وإنما بما تضيفه إلى الاقتصاد الوطني، وما توفره من فرص عمل، وما تسهم به في تحسين الخدمات، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز قدرات المؤسسات، ورفع كفاءة الاقتصاد ومن هنا، ربما يكون من المفيد أن يتطور أسلوب التعامل مع الاتفاقيات في الخطاب العام. فبدلاً من الاكتفاء بالإعلان عن توقيعها، يصبح من الضروري متابعة تنفيذها بصورة دورية، ونشر نسب الإنجاز، والإعلان عن المشاريع التي دخلت الخدمة، والعقبات التي تعترض التنفيذ، والإجراءات المتخذة لمعالجتها. فهذه المتابعة هي التي تمنح الاتفاقيات مصداقيتها، وتحولها من وثائق سياسية إلى برامج عمل يمكن قياس نتائجها. كما أن ترسيخ ثقافة المساءلة الإيجابية يظل ضرورة لا غنى عنها، ليس بهدف البحث عن المقصرين أو تبادل الاتهامات، وإنما لضمان أن تحقق الاتفاقيات الأهداف التي وقعت من أجلها. فالشفافية في عرض ما تحقق وما لم يتحقق تعزز الثقة، وتمنح صناع القرار فرصة لتصحيح المسار كلما دعت الحاجة. ولعل الاتفاقيات التي أُعلن عنها مؤخراً تمثل فرصة مناسبة لاعتماد هذا النهج. فبدلاً من انتظار جولة جديدة من الاتفاقيات بعد سنوات، سيكون من الأجدى متابعة ما تحقق من الاتفاقيات الحالية، وحجم الاستثمارات التي دخلت فعلاً، وعدد المشاريع التي انطلقت، ونسب الإنجاز التي وصلت إليها. فهذه المؤشرات وحدها هي التي ستحدد قيمة الاتفاقيات، بعيداً عن التوقعات المتفائلة أو الأحكام المتسرعة. إن العراق يحتاج اليوم إلى شراكات دولية قوية ومتوازنة، سواء مع الولايات المتحدة أو مع غيرها من الدول، لكن نجاح هذه الشراكات لن يقاس بعدد الوثائق الموقعة، بل بقدرتها على دعم الاقتصاد الوطني، وتنويع مصادر الدخل، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز كفاءة المؤسسات، وتحسين مستوى الخدمات، وخلق فرص عمل تسهم في دفع عجلة التنمية. وفي النهاية، يبقى الامتحان الحقيقي لكل اتفاقية مؤجلاً إلى ما بعد التوقيع. فهناك، على أرض الواقع، تتحدد قيمتها الحقيقية، وهناك فقط يمكن الحكم على جدواها. فالوثائق قد تفتح الأبواب، لكنها لا تعبرها وحدها. وما يصنع الفارق في النهاية ليس عدد الاتفاقيات، بل عدد المشاريع التي خرجت منها، والاستثمارات التي إستقطبتها، والفرص التي أوجدتها، والأثر الذي تركته في حياة الناس. عندها فقط يمكن القول إن الاتفاقيات نجحت في امتحانها، وإنها لم تبق مجرد عناوين في بيانات رسمية، وإنما تحولت إلى إنجازات يلمسها المواطن في واقعه اليومي.
اتفاقيات بغداد وواشنطن… والامتحان المؤجل
آخر تحديث:
عبدالله السعد









































