لم تكن أزمة الرواتب التي يعيشها العراق وليدة إغلاق مضيق هرمز فحسب، بل جاءت لتكشف ثمن سنوات من تعطيل المشاريع الاستراتيجية التي كان يُفترض أن تحرر البلاد من الارتهان لمنفذ نفطي واحد. واليوم، مع توقف نحو 80% من الصادرات، تبدو كلفة ذلك التعطيل أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
وتشير بيانات حكومية إلى أن الصادرات النفطية هوت من نحو 100 مليون برميل في شباط/فبراير 2026 إلى قرابة 32 مليون برميل فقط خلال أيار/مايو وحزيران/يونيو، لتتراجع الإيرادات الشهرية من 7–8 مليارات دولار إلى نحو 1.5 مليار دولار، ما أحدث فجوة تمويلية ضخمة بين الإيرادات والالتزامات الحكومية، وأدخل المالية العامة في واحدة من أعنف أزماتها.
وتقدّر الخسائر التراكمية منذ اندلاع الحرب الإقليمية وحتى نهاية حزيران بما بين 40 و45 مليار دولار، مع توقعات ببلوغها 50 مليار دولار إذا استمر تعطل الملاحة، بينما أصبحت الحكومة تواجه صعوبة في تأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين، التي تتجاوز وحدها 6.5 مليارات دولار شهرياً.
ويرى اقتصاديون أن الأزمة الحالية أعادت العراق إلى حلول اضطرارية مكلفة، أبرزها الاقتراض الداخلي الذي يضغط على القطاع الخاص، والاقتراض الخارجي الذي يفاقم الدين العام، في وقت ما تزال فيه الإيرادات غير النفطية عاجزة عن سد الفجوة، بالتزامن مع تراجع احتياطيات البنك المركزي من النقد الأجنبي.
وتتزامن هذه التطورات مع توقعات صندوق النقد الدولي بانكماش الاقتصاد العراقي خلال العام الجاري، واتساع العجزين المالي والخارجي، في مؤشرات تعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة.
وفي المقابل، يعود الحديث مجدداً عن مشاريع منافذ التصدير البديلة، وعلى رأسها خط كركوك–جيهان عبر تركيا، إضافة إلى مشروع أنبوب العقبة، اللذين عُدّا سابقاً من أبرز الخيارات لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، إلا أن الخلافات السياسية والصراعات الداخلية عطلت المضي بهما، فيما لم تتجاوز الكميات المصدرة عبر المسارات البديلة مستويات محدودة لا تلبي احتياجات البلاد.
ولا تقف تداعيات الأزمة عند ملف الرواتب، إذ امتدت إلى المشاريع الخدمية والتنموية التي شهدت توسعاً في السنوات الماضية، بعدما فرضت أزمة السيولة تباطؤاً في التمويل والتنفيذ، لتعود إلى الواجهة تساؤلات قديمة حول كلفة تعطيل المشاريع الاستراتيجية، وثمن الارتهان لمنفذ تصدير واحد في بلد يعتمد اقتصاده بصورة شبه كاملة على النفط.











































