لم يعد العراقي يسأل: هل يوجد فساد؟ بل أصبح يسأل: هل بقي شيء لم يُسرق؟
كل حملة لمكافحة الفساد تحظى بتأييد شعبي واسع، لأن الناس سئمت من نهب ثروات بلد يطفو على بحر من النفط ويغرق في الفقر وسوء الخدمات.
وكل يوم تنكشف فضيحة أكبر من سابقتها. مليارات الدنانير مدفونة تحت الأرض، أو مخبأة في أماكن لا تخطر على بال. حتى أصبح المليار دينار رقماً عادياً في ذاكرة العراقي، بعد أن كان حلماً لا يبلغه إلا الأثرياء.
لقد أصبح الفساد في العراق ظاهرة لا تحتاج إلى دليل، بل أصبح العراق، للأسف، مثالاً يُستشهد به كلما ذُكر الفساد الإداري والمالي.
والأعجب من ذلك أن الجميع يعلن تأييده لمحاربة الفساد، والجميع يلعن الفاسدين، والجميع يطالب بالعدالة.
إذاً… من هم هؤلاء الفاسدون؟
الشعب يعرفهم. يعرف أسماءهم، ويعرف قصورهم، ويعرف كيف انتقلت ثرواتهم من الصفر إلى المليارات. لكن ما لا يعرفه هو: من يملك الجرأة على اعتقالهم؟ وهل يستطيع القانون أن يصل إلى من يختبئون خلف السلطة والنفوذ والسلاح؟
القضية لم تعد كشف الفاسدين، فهؤلاء أصبحوا معروفين. القضية هي: هل توجد إرادة حقيقية لمحاسبتهم، أم أن الفساد ما زال أقوى من الدولة؟
وأختم بقصة تختصر المشهد كله.
دخل رجل إلى مسجد، صلى مع المصلين، وعندما خرج لم يجد حذاءه. غضب الجميع، ولعنوا السارق، وكل واحد أعلن براءته.
لكن أحداً لم يسأل السؤال الوحيد الذي يستحق الإجابة:
إذا كان الجميع يلعن السارق… فمن سرق الحذاء؟
وهذا هو السؤال الذي ما زال العراقيون يرددونه منذ سنوات:
إذا كان الجميع ضد الفساد… إذن فمن الذي سرق العراق .











































