أصبح العراق اليوم بحاجة ماسة إلى التعاقد مع آلاف الأطباء ذوي الخبرة من الخارج لمعالجة مرض خطير انتشر في جمهورية العراق مؤخرًا. والطامة الكبرى أن انتشاره أصبح سريعًا جدًا، وهو ما يمكن تسميته بـ داء العظمة. وللأسف، لم يعد هذا الداء مقتصرًا على فئة محددة، بل أصاب شريحة واسعة من المجتمع، بدءًا من عامة الشعب وانتهاءً بالمسؤولين الكبار بدرجة مدير عام فما فوق. فعلى مستوى الناس العاديين، تجد كثيرًا ممن يشغلون منصبًا صغيرًا في الدولة أو لديهم احتكاك مباشر بالمواطن يتعاملون وكأنهم أبطال، ويتعالون على أبناء جلدتهم. أما بعض الأثرياء، فتراهم يقودون سياراتهم الحديثة وينظرون للناس نظرة استعلاء، وكأنهم نسوا أيام الفقر التي عاشها أسلافهم. أما المسؤولون، فقد أصيب معظمهم بداء العظمة المزمن؛ فلا يجيبون على مكالمات من يعرفونهم، ولا يقفون عند رؤية أبناء جيلهم أو أصدقائهم القدامى. وحتى أصحاب المال، أو ما يُطلق عليهم شعبيًا “الزنگين”، فهم دومًا يحرصون على الجلوس في الصدارة والتحدث بصوت مرتفع ليثبتوا وجودهم. وأقولها بوضوح: نحن من صنع هؤلاء الطواغيت. فكل مسؤول تسلم زمام الأمور بعد عام 2003 نحن من أوصلناه إلى منصبه، ونحن نعرف شخصيته ونواياه. ولو اتحد الناس لوجدوا الأصلح من بينهم، خصوصًا وأن الفرصة تتكرر كل أربع سنوات عبر صناديق الاقتراع. أما بالنسبة لأصحاب المال، وغالبهم جمع ثروته بطرق غير شرعية، فلو قاطعهم المجتمع في مناسباتهم ورفض مجاملتهم، لعادوا إلى حجمهم الطبيعي وواقعهم الحقيقي. لكننا للأسف نميل إلى المجاملة والمداهنة على حساب الحقيقة، فنصنع بأيدينا طاغوتًا جديدًا كل يوم.أيها القارئ الكريم،المجاملة ليست مطلوبة دائمًا، بل قد تكون في بعض الأحيان نوعًا من اقتراف الذنب، فلماذا نشارك جميعًا في اقترافه؟ إن طواغيت مجتمعنا بلغوا ذروة الغرور، وإن لم نجد الحلول فالعلاج النفسي بات ضرورة ملحّة لهم، فداء العظمة لا يهدم روح الإنسان وحده، بل يمتد أثره إلى أسرته ومجتمعه، مسببًا أضرارًا شاملة من جميع الجوانب.ى لقد حان الوقت لهدم الأصنام، وللإحجام عن صناعة أي طاغوت جديد مهما كانت صفته أو منصبه. فالطغيان أعلى درجات الكفر، وكل مجاملة زائفة لا تجدي نفعًا. والأسوأ أن من نجاملهم غالبًا ما ينظرون إلينا نظرة استجداء واستصغار.ىاليوم، حان الوقت ليسمع من به صمم من المصابين بداء العظمة أن أغلب المجالس العامة لم تعد ترغب بالتقرب منهم، وأن من يجالسهم أو يمدحهم ليسوا إلا المنافقين وأصحاب المصالح الضيقة. هنيئًا لمن أراد أن يكسب محبة الناس، وخرج من جلد التكبر والغرور؛ فإنه سيحظى بمحبة الطيبين وسيعافيه الله من هذا الداء القاتل للنفس. وتلك الأيام نداولها بين الناس” – صدق الله العظيم.
داء العظمة وصناعة الطاغوت
آخر تحديث:
ابراهيم المحجوب










































