سيزيف الأردني.. حين تتحول الحقيقة إلى ساحة صراع
رواية القواعد الأمريكية..بين التهويل السياسي والواقع الأردني
قراءة _ فايز الشاقلدي
اطّلعت على هذا المقال باللغة الفرنسية، وهو من كتابة الدكتورة عقيلةدبيشي، الكاتبة والباحثة الجزائرية المتخصصة في الفلسفة السياسيةودراسات التطرف، ورئيسة التحرير الرقمي لإذاعة الشرق من باريس. وقد أعجبني الطرح الذي يقدمه، لذلك قمت بترجمته إلى اللغة العربيةليصل إلى القارئ العربي كما ورد في مضمونه.
ووجدته من المقالات التي تستحق القراءة والتأمل، لأنه يسلّط الضوءعلى قضية تشغل الرأي العام الأردني، ويطرح رؤية تعكس جانبًا منالواقع الذي تعيشه المنطقة في ظل كثرة الروايات المتضاربة والحملاتالإعلامية المتبادلة. قد يتفق البعض مع ما ورد فيه أو يختلف، لكن لايمكن إنكار أنه يناقش موضوعًا حاضرًا في المشهد السياسي ويستحقالنقاش. ومن وجهة نظري، فإن ما جاء في هذا المقال يلامس واقعًايعيشه الأردن اليوم، ويعكس حجم التحديات التي تواجهها الدولة فيظل الظروف الإقليمية المعقدة.
كتب – د/ عقيلة دبيشي
كان سيزيف في أسطورته الخالدة محكوما بأن يدفع صخرته إلى القمةكي تتدحرج من جديد لا لأن الصخرة تكرهه بل لأن العقاب الحقيقيكان في تكرار الفعل بلا غاية. وشعوب المنطقة منذ عقود تُدفع نحوصخرة مشابهة، وهي أن تُعاد صياغة سياستها الخارجية وخياراتهاالسيادية كل حين على أنها خيانة مبيتة وأن تُفرغ الجغرافيا من سياقهاالتاريخي لتصبح مجرد لوحة تُعلَّق عليها اتهامات جاهزة.
الأردن في موقعه الجيوسياسي الحساس وجد نفسه مرة أخرى في قلبهذه المعمعة: رواية “القواعد الأمريكية” الإيرانيه وبأيدي إخونجيةوالتي تتكرر بأشكال متعددة من مقالات تفصيلية عن توزع القوات إلىاستجوابات نيابية إلى تحقيقات صحفية تحاول التمييز بين التعاونالعسكري الموثق والتهويل السياسي. وبين هذا وذاك يقف المواطنالأردني حائرًا أمام سرديات متضاربة تخدم أجندة إيران وأذرعها فيالمنطقة حتى صرح وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي بعدم وجودقواعد أمريكية في الأردن.
الرواية بين التوظيف والحقيقة الجزئية
من المهم بداية الفصل بين طبقات متداخلة عمدًا في هذا الملف.
الطبقة الأولى هي وجود تعاون عسكري أردني أمريكي موثق وقديميعود لعقود ويشمل اتفاقية تعاون دفاعي وُقعت عام 2021 ومنشآتوتسهيلات يقر بها مسؤولون أردنيون أنفسهم في سياق التدريبالمشترك وتبادل الخبرات هذا ليس سرا بل جزء من السياسة الدفاعيةالمعلنة للمملكة.
والطبقة الثانية وهي محور اهتمامنا هنا هي التوظيف السياسي لهذهالرواية من أطراف إقليمية متعددة كل بحسب مصلحته وموقعه منالصراع.
من يوظف الرواية ولماذا؟
وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي نفى صراحة وجود قواعد أمريكيةفي الأردن مؤكدا أن الرواية الإيرانية بشأن ذلك لا صحة لها.
هذا الموقف الرسمي يكشف بوضوح أن الدولة الأردنية ترى في تصاعدهذه الرواية توظيفا واعيا من طهران ضمن معركة النفوذ الإقليميالأوسع بين إيران من جهة ومحور يضم الأردن ودولا عربية أخرى منجهة أخرى.
والمنطق الذي تستند إليه هذه القراءة ليس معزولا عن السياق، فإيرانالتي تخوض صراعا مفتوحا مع واشنطن وحلفائها في المنطقة تجد فيتصوير الأردن كمنصة أمريكية ضد الجوار العراقي والسوري وسيلةلتقويض الشرعية الشعبية للموقف الأردني ولإحراج عمان أمامقواعدها الشعبية المتضامنة تاريخيا مع القضية الفلسطينية.
أما الأيدي الإخوانية التي تتضامنت مع هذا الخطاب فنجد في الروايةذاتها أداة مختلفة الغاية وإن تشابهت الوسيلة لتوظيف الملف لتوتيرالعلاقة بين الدولة الأردنية ومواطنيها وتصوير القرار السيادي الأردنيفي السياسات الدفاعية والأمنية بوصفه تبعية مطلقة في سياق أوسعمن محاولات إعادة إنتاج الشرعية السياسية عبر الطعن في شرعيةالمؤسسة الرسمية ونرى انه لم يصدر اي بيان ادانة من قبل التنظيمالمارق وادواته السياسية تجاه الاعتداءات الواضحة الصريحة علىالأردن من قبل ايران ولم يدع التنظيم لاي مظاهرة للتنديد بالسلوكالإيراني المشين تجاه الأردن .
المفارقة هنا أن هناك طرفين المشروع الإيراني والتيار الإخواني قدالتقيا على استثمار الملف ذاته كل بلغته الخاصة وجمهوره الخاص فيماتبقى الحقيقة الوسطى تعاون دفاعي محكوم باتفاقيات ومصالحسيادية غارقة تحت ركام الاتهامات المتقابلة.
المشكلة الأعمق لا تكمن في وجود هذا التعاون العسكري أو عدمه بلفي أن الدولة الأردنية تجد نفسها في كل مرة مضطرة للدفاع عن قرارهاالسيادي أمام محكمة الرأي العام الإقليمي لا لأن قرارها غير مشروع بللأن آلة الدعاية بمصادرها المتعددة والمتناقضة أحيانا أسرع من آلةالتوضيح الرسمي.
وهذا بالضبط ما يجعل الأردن أشبه بسيزيف المعاصر: كلما دفعبصخرة التوضيح إلى قمة الوعي العام تدحرجت من جديد مع كلموجة تصعيد إقليمي ومع كل طرف جديد يجد في رواية القاعدةالأمريكية مفتاحا سحريا لتبرير خطابه سواء كان هذا الخطاب قادما منطهران أو من أروقة تيار سياسي محلي يبحث عن غطاء أيديولوجيلمعركته مع الدولة.
الخلاصة لابد من التمييز بين النقد الوطني الذي يسائل السياسة العامةمن موقع المصلحة الوطنية وبين التوظيف الخارجي الذي يعيد تدويرالحقيقة الجزئية إلى سلاح دعائي في معركة لا ناقة للأردن فيها ولا جملوبين هذين الخطين الرفيعين يبقى السؤال الحقيقي معلقا من يملكالجرأة على قول الحقيقة كاملة حين تكون الحقيقة نفسها ساحةصراع؟
المصدر : https://www.radioorient.com/jordanie-la-polemique-sur-les-bases-americaines-entre-cooperation-militaire-et-guerre-de-l-information









































