هل غابت ورشة الإعمار عن المشهد العراقي؟

هل غابت ورشة الإعمار عن المشهد العراقي؟
آخر تحديث:
محمد التميمي
قبل سنوات قليلة فقط، كان العراقيون يتابعون يومياً افتتاح مشروع جديد أو وضع حجر أساس لآخر، حتى باتت بغداد توصف بأنها “ورشة عمل كبيرة”، وهو الوصف الذي استخدمه الإعلامي أحمد ملا طلال في أكثر من مناسبة، في إشارة إلى حجم الحركة العمرانية التي شهدتها العاصمة والمحافظات خلال حكومة محمد شياع السوداني. جسور وأنفاق، مدارس، مستشفيات، مشاريع استثمارية، ومدن سكنية، جميعها كانت حاضرة في المشهد، حتى أصبح الحديث عن الإعمار جزءاً من الحياة اليومية. اليوم، يطرح كثيرون سؤالاً مشروعاً: أين ذهبت تلك المشاريع؟ ولماذا تراجع زخم الإعمار الذي اعتاد العراقيون مشاهدته؟ الإجابة ليست بالبساطة التي يحاول البعض تصويرها. فالعراق، كغيره من دول المنطقة، تأثر بظروف استثنائية لم تكن في الحسبان، بدءاً من التوترات الإقليمية وما رافقها من اضطرابات في أسواق الطاقة والتجارة، مروراً بالأزمة المالية التي فرضت على الحكومة إعادة ترتيب الأولويات، وانتهاءً بملفات المراجعة والتدقيق التي أصبحت تستهلك جانباً كبيراً من الجهد الحكومي. لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين توقف المشاريع بسبب الإهمال، وبين تباطؤها نتيجة ظروف قاهرة وإعادة تقييم شاملة. فالمشاريع التي أُطلقت في عهد السوداني لم تكن مجرد إعلانات إعلامية، بل تركت بنية تحتية ملموسة لا يمكن إنكارها، وما تحقق خلال تلك المرحلة ما زال قائماً على الأرض ويستفيد منه المواطنون حتى اليوم. لقد اختار السوداني منذ اليوم الأول أن يجعل الإعمار عنواناً لحكومته، وأن يعيد ثقة المستثمرين بالدولة العراقية بعد سنوات من التردد، فشهد العراق توقيع عشرات الاتفاقيات الاستثمارية، وإطلاق مشاريع استراتيجية في النقل والإسكان والتعليم والخدمات، فضلاً عن مشروع الألف مدرسة الذي مثّل نقلة مهمة في معالجة أزمة الأبنية المدرسية. صحيح أن المرحلة الحالية تشهد تركيزاً أكبر على المراجعات والرقابة ومتابعة الملفات الإدارية والمالية، إلا أن هذه الإجراءات لا ينبغي أن تكون بديلاً دائماً عن التنمية. فالدولةالناجحة هي التي تستطيع الجمع بين الرقابة والإنجاز، وبين مكافحة الهدر والاستمرار في البناء، لأن المواطن يقيس أداء الحكومات بما يراه على أرض الواقع، لا بما يُكتب في التقارير. ومن هنا، فإن التجربة التي قادها السوداني تقدم درساً مهماً، وهو أن عجلة الإعمار عندما تدور تمنح الناس شعوراً بالأمل، وتخلق فرص عمل، وتحرك الاقتصاد، وتعزز ثقة المستثمرين، بينما يؤدي توقف المشاريع أو بطؤها إلى حالة من الجمود تنعكس على مختلف القطاعات. قد تختلف القوى السياسية في تقييم الحكومات، وقد تتباين المواقف من السياسات والقرارات، لكن من الصعب تجاهل أن مرحلة السوداني ارتبطت في أذهان كثير من العراقيين بحركة عمرانية غير مسبوقة مقارنة بالسنوات التي سبقتها. ولهذا فإن استعادة ذلك الزخم لم تعد مطلباً سياسياً بقدر ما أصبحت حاجة اقتصادية واجتماعية ملحة. العراق لا يحتاج إلى الدخول في جدل دائم حول الماضي، بل يحتاج إلى استعادة روح الإنجاز التي جعلت الرافعات تعمل في كل محافظة، والطرق تُعبد، والجسور تُفتتح، والمدارس تُبنى، فالدول لا تتقدم بالمراجعات وحدها، وإنما بالموازنة بين المحاسبة والإنتاج، وبين مكافحة الفساد واستمرار التنمية.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *