مصرف التنمية الدولي.. هل أصبحت ضريبة النجاح حملات التشويه والعقوبات؟

مصرف التنمية الدولي.. هل أصبحت ضريبة النجاح حملات التشويه والعقوبات؟
آخر تحديث:

مصرف التنمية الدولي.. هل أصبحت ضريبة النجاح حملات التشويه والعقوبات؟

في العراق، لا تكفي النجاحات المصرفية وحدها لحماية المؤسسات من العواصف السياسية والاقتصادية، ولا يكفي أن يبني المصرف سمعته عبر سنوات من العمل حتى يصبح بمنأى عن الاتهامات والقرارات التي قد تهز ثقة العملاء وتضع مستقبل أموالهم وتعاملاتهم أمام أسئلة صعبة. لكن السؤال الأهم: هل ينبغي أن تُحسم سمعة المؤسسات المالية بالاتهامات وحدها، أم أن العدالة تقتضي التحقيق والتدقيق والاستماع إلى جميع الأطراف قبل إصدار الأحكام النهائية؟
لقد أثار إدراج مصرف التنمية الدولي للاستثمار والتمويل، برئاسة الدكتور زياد خلف، على قائمة العقوبات الأمريكية في 15 تشرين الأول 2026، جدلاً واسعاً في الأوساط المصرفية العراقية، وفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل المصرف ومكانته في القطاع المالي العراقي.
وبصفتي صحفياً عراقياً، أرى أن من حق المواطنين والعملاء الذين تعاملوا مع المصرف أن تُسمع شهاداتهم، وأن يُنظر إلى تجربتهم في التعامل معه، وأن تُمنح الإدارة فرصة كاملة لعرض وثائقها ودفوعها أمام الجهات المختصة. فالثقة التي يبنيها أي مصرف مع عملائه تستحق أن تُؤخذ في الاعتبار، كما أن حقوق المودعين واستقرار التعاملات المالية يجب أن يبقيا في مقدمة الأولويات.
لكن الإنصاف يقتضي أيضاً التمييز بين الثقة التي يعبّر عنها العملاء وبين الحكم على مدى الالتزام بالقوانين والضوابط المالية؛ فلكل منهما معاييره وأدلته.
هل هناك منافسة مصرفية تحولت إلى صراع؟
لا يمكن تجاهل أن القطاع المصرفي العراقي يعمل في بيئة شديدة التنافس، وأن نجاح أي مؤسسة قد يثير التساؤلات والمنافسة، وربما يفتح الباب أمام خلافات ومواقف متباينة. ومن هنا، يحق للرأي العام أن يتساءل: هل خضعت الجهات التي أعدّت التقارير المتعلقة بالمصرف لمعايير مهنية دقيقة؟ وهل تضمنت تلك التقارير معلومات موثقة أم استنتاجات تحتاج إلى مزيد من التدقيق؟
إن الحديث عن الحسد أو الغيرة أو وجود أطراف مصرفية سعت إلى الإضرار بسمعة مصرف التنمية الدولي يظل اتهاماً يحتاج إلى أدلة واضحة، ولا يجوز تحويله إلى حقيقة ثابتة من دون وثائق تثبته. وإذا كانت هناك تقارير كيدية أو معلومات مضللة، فإن الطريق الصحيح هو كشفها بالأدلة ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون، لا الاكتفاء بالتكهنات والاتهامات المتبادلة.
فالمنافسة الشريفة تُبنى على جودة الخدمات والشفافية والالتزام، لا على تشويه السمعة أو محاولة إضعاف المنافسين.
الخزانة الأمريكية.. أين حق الدفاع والتحقق؟
إن عتبي هنا على الجهات التي تتخذ قرارات تمسّ المؤسسات المالية العراقية هو أن تكون الشفافية والتحقق من الأدلة وحق الدفاع ركائز أساسية لأي إجراء، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمصرف له عملاء ومساهمون وموظفون وتعاملات اقتصادية واسعة.
فقد أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية اتهامات تتعلق بتسهيل معاملات مالية إيرانية، وتوفير الوصول إلى الدولار، ووجود صلات بجهات حكومية إيرانية وفصائل مسلحة متحالفة مع طهران. وهذه اتهامات رسمية خطيرة لا يجوز تجاهلها، لكنها تقتضي أيضاً إتاحة الفرصة للمصرف لتقديم ردوده ووثائقه عبر القنوات القانونية المختصة. وقد أعلن المصرف رفضه لهذه الاتهامات واستعداده للتعاون مع البنك المركزي العراقي والخزانة الأمريكية.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس إصدار أحكام مسبقة لصالح المصرف أو ضده، بل الوصول إلى الحقيقة كاملة. فإذا ثبتت مخالفات، فيجب التعامل معها وفق القانون، أياً كانت الجهة المسؤولة. وإذا ثبت أن معلومات غير صحيحة أو مضللة أسهمت في اتخاذ القرار، فيجب تصحيحها ومحاسبة من تعمّد تقديمها.
أما أن تُترك سمعة مؤسسة مالية معلقة بين الاتهامات والردود، من دون أن تتضح للرأي العام الأدلة والنتائج، فإن ذلك يضر بثقة المواطنين بالقطاع المصرفي كله.
الدكتور زياد خلف عبد الكريم المسؤولية في مواجهة الأزمة
إن قيادة مصرف كبير في مثل هذه الظروف تضع الإدارة أمام اختبار صعب، يتمثل في تقديم أعلى درجات الشفافية، والتعاون الكامل مع البنك المركزي العراقي والجهات الرقابية، والإجابة عن التساؤلات المتعلقة بالامتثال المالي ومصادر الأموال ومسارات التحويلات.
فالمؤسسات الناجحة لا تُقاس بقدرتها على التوسع وتحقيق الأرباح فحسب، بل بقدرتها أيضاً على مواجهة الأزمات، وتقديم المعلومات الموثقة، وحماية حقوق العملاء ضمن الأطر القانونية.
ومن حق الدكتور زياد خلف وإدارة المصرف عرض دفاعهما والوثائق التي تدعم موقفهما، كما أن من حق الجمهور أن يعرف الحقيقة من مصادر موثوقة، بعيداً عن التهويل أو التبرير غير المستند إلى الأدلة.
ضريبة النجاح أم امتحان الشفافية؟
يقول كثيرون إن النجاح يجلب المنافسين، وإن المؤسسات البارزة قد تواجه حملات انتقاد وتشكيك. وهذا أمر وارد في عالم الأعمال، لكنه لا يعني أن كل انتقاد مؤامرة، ولا أن كل اتهام صحيح.
إن مصرف التنمية الدولي أمام مرحلة تتطلب منه أن يثبت موقفه بالوثائق والإجراءات والامتثال، لا بالشعارات وحدها. كما أن الجهات الأمريكية والعراقية المعنية مطالبة بالتعامل مع الملف بمهنية وعدالة، وعدم الخلط بين المصالح السياسية والتقييمات المالية القائمة على الأدلة.
وفي النهاية، تبقى أموال المواطنين وحقوق المودعين واستقرار الاقتصاد العراقي أكبر من أي خلاف أو منافسة. فالمصرف مؤسسة مالية، وثقة الناس بها مسؤولية كبيرة، وأي قرار يؤثر في مستقبلها يجب أن يستند إلى أدلة واضحة وإجراءات عادلة.
رسالتي إلى الخزانة الأمريكية: لا تجعلوا التقارير بديلاً عن التحقق، ولا تجعلوا الاتهامات نهاية الطريق قبل استكمال الإجراءات القانونية. ورسالتنا إلى إدارة مصرف التنمية الدولي: إن أفضل رد على الاتهامات هو الشفافية الكاملة، والتعاون مع الجهات الرقابية، وكشف الحقائق أمام الرأي العام.
فالعراق لا يحتاج إلى صراعات مصرفية، ولا إلى حملات تشويه متبادلة، بل يحتاج إلى مؤسسات قوية وقطاع مالي نزيه يحمي أموال المواطنين ويدعم الاقتصاد الوطني.
فالنجاح الحقيقي ليس أن تكسب ثقة الناس في أوقات الرخاء فحسب، بل أن تواجه أصعب الأزمات بالحقيقة والشفافية والقانون.

https://www.facebook.com/share/1C2Dmxiqac/?mibextid=wwXIfr

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *