آخر تحديث:
ابراهيم المحجوب
مرّ العراق، ومنذ عقود طويلة، بأزمات وتحديات جسيمة تركت آثارها العميقة على حياة أبنائه. فمن الحروب المتعاقبة التي أزهقت أرواح مئات الآلاف من العراقيين، إلى سنوات الحصار القاسية التي أثقلت كاهل الشعب بمختلف أطيافه ومكوناته، وصولاً إلى الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية التي ما زالت تلقي بظلالها على الواقع العراقي.ومع كل هذه المحن والظروف الصعبة، يبقى هناك مشهد يتكرر كلما خاض المنتخب العراقي مباراة مهمة، سواء كانت محلية أو عربية أو آسيوية أو عالمية. عندها تتوحد القلوب قبل الهتافات، وتختفي الفوارق والانتماءات الضيقة، ويقف العراقيون جميعاً خلف علم واحد وهدف واحد، يترقبون نتائج منتخبهم الوطني بشغف وحماس كبيرين ففي لحظات الانتصار، تكتظ الشوارع بالمحتفلين، وترتفع الأعلام العراقية في كل مكان، وتتعالى الأهازيج والأغاني الوطنية التي تعبر عن الفرح والانتماء. أما في لحظات الخسارة، فإن الحزن يكون جماعياً أيضاً، وكأن المنتخب يمثل أسرة واحدة تجمع أبناء الوطن كافة تحت راية العراق.ولعل من أكثر المشاهد دلالة على تعلق العراقيين بكرة القدم أن حالة الحزن عند خسارة المنتخب لا تقل تأثيراً عن حالة الفرح عند الفوز. فبمجرد انتهاء المباراة بنتيجة غير مرضية، يخيم الحزن على البيوت والمقاهي والشوارع، وتتحول أحاديث الناس إلى تحليل أسباب الخسارة والبحث عن الأخطاء التي ارتكبها اللاعبون أو الجهاز الفني. وفي تلك اللحظات ينسى كثير من الناس همومهم اليومية ومشكلاتهم الخاصة، بل وحتى الأخطاء والإخفاقات التي ترتكبها الحكومات، لتصبح أخطاء المنتخب هي القضية الأولى التي تشغل الرأي العام. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عمق العلاقة العاطفية التي تربط العراقيين بمنتخبهم الوطني، وعلى المكانة الكبيرة التي تحتلها الرياضة في وجدان أبناء هذا البلد.إن الرياضة، ولا سيما كرة القدم، أثبتت عبر السنين أنها قادرة على تحقيق ما عجزت عنه السياسة في كثير من الأحيان. ففي الوقت الذي ساهمت فيه الخلافات السياسية في تعميق الانقسامات وإثارة النزاعات، استطاعت الرياضة أن تجمع العراقيين حول هدف مشترك وأن تعزز روح الأخوة والمحبة بينهم.ولعل الإنجازات التي حققها المنتخب العراقي في مختلف البطولات كانت خير دليل على قدرة العراقيين على النجاح عندما تتوحد جهودهم وتتجاوز إرادتهم الخلافات والعقبات. فالفوز في الملعب لم يكن مجرد نتيجة رياضية، بل كان رسالة أمل تؤكد أن أبناء هذا الوطن قادرون على صناعة الإنجاز متى ما توفرت لهم القيادة الحكيمة والإدارة الصحيحة.إن العراق اليوم بحاجة إلى أن تتعلم السياسة من الرياضة. فكما يلعب الفريق بروح الجماعة من أجل تحقيق الفوز، ينبغي على القوى السياسية أن تعمل بروح المسؤولية الوطنية بعيداً عن المصالح الضيقة والحسابات الشخصية. وكما يلتف الجمهور حول المنتخب رغم اختلاف توجهاته، فإن الوطن بحاجة إلى مشروع جامع يضع مصلحة العراق فوق كل اعتبار.لقد أثبت العراقيون مراراً أنهم شعب محب للحياة، قادر على تجاوز الجراح وصناعة الفرح رغم قسوة الظروف. وما مشاهد الاحتفال بالانتصارات الرياضية إلا دليل واضح على أن روح الأمل ما زالت حية في نفوسهم، وأن العراق يمتلك من الطاقات والإمكانات ما يؤهله للنهوض من جديد.فإذا كانت السياسة الخاطئة قد فرّقت العراقيين في مراحل عديدة من تاريخهم، فإن الرياضة الصحيحة ما زالت قادرة على جمعهم، لتبقى رسالة الملاعب أبلغ أحياناً من خطابات الساسة، ولتبقى راية العراق التي يرفعها الرياضيون رمزاً لوحدة وطن يتطلع أبناؤه إلى مستقبل أفضل وأكثر استقراراً وازدهاراً..







































